إستضافت هيئة الحقيقة والكرامة، في جلستها العلنية الحادية عشرة المنعقدة مساء اليوم الجمعة، 11 شخصا، قدموا شهاداتهم حول عمليات تزوير للانتخابات في مراحل مختلفة من تاريخ تونس بعد الإستقلال، توزعوا بين من ساهم في هذه الممارسات من موقع مسؤوليته في الدولة أو في “الحزب الحاكم” ، ومن كان ضحية لهذا التزوير.

وسلطت الشهادات الخمس الأولى الضوء على الإنتخابات التشريعية لسنة 1981 ، وما شابها من تجاوزات خلال مختلف مراحل هذا الاستحقاق الانتخابي، والتي بلغت حدود تغيير نتائج الاقتراع لفائدة الحزب الحر الدستوري، الحزب الحاكم آنذاك.


وتحدث إدريس قيقة، وزير الداخلية في تلك الفترة في شهادته، عن طريقة تعامل رئيس الجمهورية أنذاك الحبيب بورقيبة ووزرائه مع معارضيه أثناء الحملات الانتخابية، ودور الولاة في مراقبة الحملة الانتخابية، ونشاط المعارضة لضمان عدم إنخراط المواطنين فيه.
كما إستمعت الهيئة وضيوفها خلال هذه الجلسة، لشهادة سالم المغروم، المعتمد الأول لولاية جندوبة سنة 1981 ، والتي تحدث فيها بالخصوص عن التعليمات التي تلقاها بألا يتجاوز نجاح قائمة حركة الديمقراطيين الاشتراكيين نسبة محددة، بعيدة كل البعد عن الحقيقة، مشيرا إلى أنه احتفظ بالمحاضر الأصلية وقدمها بعد الثورة للأرشيف الوطني.

وقالت سهام بن سدرين في هذا السياق، إن الهيئة تحصلت على هذه المحاضر التي كشفت فوز الحزب الحر الدستوري بنسبة 51 بالمائة، في حين أن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين فازت بنسبة تجاوزت 48 بالمائة، والحال أن السلط أعلنت أنذاك عن فوز الحزب الحاكم في هذه الجهة بنسبة فاقت 95 بالمائة.


أما مهذب الرويسي والي تونس في فترة حكم بورقيبة، فقد ذكر في شهادته، أن الحزب الحاكم كان يضع تحت تصرفه كل إمكانيات الدولة، وكان رئيس الدولة يرفض أن ينافسه أو ينافس حزبه أية شخصية أخرى أو حزب آخر على السلطة، مشيرا إلى دور وسيلة بورقيبة زوجة الرئيس في إدارة كل شؤون البلاد، وفي تنظيم الانتخابات، وفي تقديم قائمات منافسة لقائمات الحزب الحاكم.

وتطرق كل من محمد بالنور (الذي كان مرشحا ضمن قائمة حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في الانتخابات التشريعية سنة 1981 )، ومحمد الباهي الأدغم، إلى العنف السياسي الذي مورس ضدهما وضد زملائهم خلال الحملة الانتخابية.

وأفاد بنور في هذا الصدد، بأن العراقيل تواصلت خلال كافة مراحل الاستحقاق الانتخابي، بدءا بمنعهم من التسجيل كناخبين، وممارسة الترهيب والاعتداء البدني على المترشحين، مرورا بعرقلة الحملة الانتخابية وهرسلة الملاحظين عن قائمة ح د ش، وصولا إلى حد الاعتداء عليه بالعنف الشديد وتهديده بالقتل من قبل ما أسماهم ب “ميليشيات” الحزب الحاكم.

وتحدث محمد الباهي الأدغم، الذي كان ينشط في شبابه في ح د ش، عن تعمد “ميليشيات” الحزب الحاكم الاعتداء على اجتماعات الحركة وعلى الحاضرين فيها، وقطع الكهرباء والرشق بالحجارة وتهشيم السيارات، دون تدخل قوات الأمن، إضافة إلى تمزيق المعلقات والملصقات الانتخابية للحركة، ومنعهم من حقهم في الظهور إعلاميا، وهو ما دفع برئيس الحركة أحمد المستيري للإعلان عن إيقاف الحملة الانتخابية.

من جهته، إستعرض محمد البشير خذري، الناشط صلب حركة الاتجاه الاسلامي، ومدير الحملة الانتخابية للقائمة المستقلة تونس 1 ، الظروف التي حفت بمشاركة تلك القائمة في الانتخابات التشريعية التي جرت سنة 1989 والتي بدت حسب تعبيره، “جلية” في الايام الأخيرة للحملة الانتخابية ويوم الاقتراع وخلال عمليات التصويت والفرز، معددا في هذا الاطار، جملة التجاوزات التي تمت معاينتها من قبل مراقبي تلك القائمة او من طرف اعضاء القائمة التي ضمت في غالبيتها رجال قانون.

وصرح خذري، بأن قائمته كانت ستفوز في تلك الدائرة بحوالي 66 في المائة من أصوات الناخبين في حوالي نصف مكاتب الانتخابات، في تلك الدائرة التي ضمت 11 معتمدية.


أما الجنيدي عبد الجواد ،المسؤول في الحزب الشيوعي التونسي (حركة التجديد لاحقا)، فقد تطرق من جهته، إلى التجاوزات التي رافقت مشاركات حزبه في عدد من الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس في سنوات 1981 و 1989 و 2004 و 2009 ، والمضايقات والتعطيلات التي طالت اعضاء القائمات الانتخابية او المرشحين للرئاسيات، وهما تباعا محمد علي الحلواني (2004) و أحمد ابراهيم (2009)، مشددا على ان “ماكينة تزوير الإنتخابات وتغيير إرادة الناخبين كانت متواصلة في تونس منذ سنة 1956 الى غاية انتخابات الأخيرة التي جرت 2009″، على حد قوله.

وإستمع الحاضرون في جلسة الاستماع العلنية أيضا، الى شهادة منجي اللوز، عضو المكتب التنفيذي للحزب الجمهوري (حاليا)، و العضو بالحزب الاشتراكي التقدمي (سابقا)، الذي سرد جملة التضييقات التي طالت حزبه لدى مشاركته في انتخابات 1989 ، من خلال الكشف عن هويات مزكي المترشحين، وملاحقة أنصار الحزب أمنيا وحرمانهم من الخدمات التي تقدمها اجهزة الدولة.

وأضاف أن انتخابات 1994 شهدت اسقاط بعض قائمات الحزب الاشتراكي التقدمي “جراء ممارسة الضغوط على المترشحين”، في حين أسقطت 7 قائمات من جملة 24 قائمة تقدم بها الحزب في تشريعيات 2004. كما تم إسقاط كل القائمات في انتخابات 2009 “لأسباب واهية وغير جدية”، وتعطيل إصدار البيانات الإنتخابية وحملات الحزب وغيرها، حسب تعبيره.

من ناحيته، تحدث القيادي بحزب التكتل من أجل العمل والحريات، خليل الزاوية، عن المضايقات و التعطيلات التي واجهها حزبه في انتخابات سنة 2009 الرئاسية و التشريعية، مما أدى الى إسقاط 8 قائمات من أصل 11 قائمة قدمها حزب التكتل في الإنتخابات التشريعية سنة 2009 ، بالاضافة إلى “اقصاء” رئيس الحزب مصطفى بن جعفر، من المشاركة في السباق الرئاسي بتعلة عدم توفر أحد شروط الترشحات.


كما إستمع الحاضرون، إلى شهادة عمار السوفي وهو معلم تطبيق، شارك في المحطات الانتخابية لسنوات 1994 و1999 و 2004 تارة بصفته نائب رئيس وتارة أخرى بصفته رئيس مكتب اقتراع في جهة باردو. وسرد السوفي جملة التجاوزات التي رصدها بحكم مسؤولياته حينها في مكاتب الاقتراع، وخلال عمليات التصويت و تحرير المحاضر و أثناء عمليات الفرز.
وتضمنت جلسة الاستماع كذلك، تسجيلا لشهادة أدلى بها محمد الغرياني، آخر أمين عام لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، والذي تولى هذا المنصب من 2008 الى 2011، حيث عن “عمليات التنسيق التي كانت تتم بين مؤسسة الرئاسة ووزارة الداخلية” بعيدا عن حزب التجمع، في توزيع و تقسيم الخارطة السياسية بين الحزب الحاكم آنذاك و بقية الأحزاب المشكلة للمعارضة، وذلك في انتخابات 2004 و 2009 .


وتحدث الغرياني أيضا، عن طريقة تعامل وسائل الإعلام خلال تلك الإنتخابات مع الحملات الإنتخابية للأحزاب المترشحة أنذاك، حيث يتم “تضخيم أحزاب وتقزيم أخرى”، على حد تعبيره.

وتم في ختام جلسة الإستماع العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة، بث شريط وثائقي حول تزييف إرادة الناخبين في الإستحقاقات الانتخابية التي شهدتها تونس قبل إندلاع ثورة 2011.

 

 المصدر :موقع باب بنات 

Facebook Comments
FacebookTwitterGmailLinkedIn