الثقافية الاسلامية في محاكم الحداثة

تجربة منفى

مقدمــــة

قبل البدء في ذكر فصول التحقيق يجدر البدئ بالإشارة الى سبب تجنب الكاتب ذكر فصول حياة الآخرين و إستعاضته على ذلك بذكر تجاربه الخاصّة كمغترب خبر في غربته خائنة أعين السياسة الغربية و ما تخفيه صدور منظريها كان أعظم مما يتهدد ثورة الكرامة قبل و أثناء و بعد قيامها بصفة مباشرة و غير مباشرة و هذا ما سيرد ذكره في هذا الكتاب.

فذكر الكاتب لتجاربه بدل تجارب الآخرين ليس رغبة منه في التشهير بحاله، بل دفعه لذلك سببان: أولاهم هو أنه لا مناص له من ذكر أدلة حسية على ما سلف ذكره و تجاربه الموثقة قد تفي بذلك ، و ثاني السببين هو فداء لرغبة كامنة لدى العام و “الخاص” عند من وحّدته بهم جيوسياسيّا اللغة والدّين في أن لا يذكروا إلاّ بما يحبّون و يكبرون من يتستر على عللهم و يسوق لهم فشلهم كفنون، وهو لعمري سبب عماء الأبصار قبل العيون.

هذا عن حال اتباع الثقافة الإسلامية في الغرب. كما قدم الكاتب ألأمثلة الواردة في هذا الكتاب حججا على عدم أهلية الغرب إخلاقيا على التماهي مع المبادئ القيمية التي تعلنها السنتهم و تأباها قلوبهم و ما يعانيه المهاجرون العرب و المسلمون  في الغرب كذلك إلاّ  شهادات حية على دوافع السياسات الغربية للتخفي وراء تبني القيم  سياسية كانت اوإنسانية عامة.  و في طليعة ضحايا هذه السلوكيات نجد أولئك الذين لا هم لهم إلاّ العمل الدؤوب على تلميع صورتهم الخاصة بتوظيف الأحداث من أجل إغتصاب صفة “مفكر” أم “علامة” فظلوا بذلك و أظلوا . فالعينات من حياة هؤلاء منتحلي الصفات هي في الحقيقة أشد وضوحا من تجارب حياة الكاتب الشخصية في الإستدلال على آليات أجنحة معينة من سياسات الغرب في تهجين الثقافات و من ثمة الإجهاز عليها في بلدانها الأم كذلك، و هذاما عمد هذا الكتاب تبيانه . وعبرذلك يبرز الكتاب للقارئ مدى ضلوع أولئك المسوقين لأنفسهم بصفات مفكر و علامة في الخيانة غير المدركة من قبلهم و من قبل من صدّقهم “عذرهم”  أنهم ” ما أرادوا إلأ إصلاحا”.

أما عن هذا التحقيق فقد دارت رحاه في مقر حكومة بفاريا الألمانية و قد حاول منظموه أن يطمسوا معالمه كتحقحيق عبر تسميته بـ”الحوار”.

 

بداية التحقيق ” الحوار”

 

السيد الدكتور عمار الفتيتي نريد أن نبين لك بداية سبب دعوتك من قبلنا لحضور هذه الحوار: إن إجراء هذا الحوار أصبح قانونا وجوبيا على الأجانب ذوي جنسيات معينة وذلك في إطار مقاومة الإرهاب.

وأسمح لي أن اقدم لك السادة الحاضرين معنا في هذه الجلسة: فالسيد الجالس عن شمالي هو ممثّل أمن الدولة والجالسان عن يميني فهما ممثّلا مصلحة الأجانب.

والآن أريد أن تخبرنا إن كان عندك أطفال غير المصرّح عنهما لدينا.

إبتسمت ثم قلت:

” قبل الإجابة عن سؤالك هذا رأيت من الضرورة أن أذكرك والحضور بأن طبيعة جلساتكم هذه تهدف حسب المعلن للبحث عن حقيقة لاتزال عنكم غائبة أو مغيّبة وأحسب أنكم ولو نظريا على خلاف العالم الثالث تفرّقون بين البحث عن الحقيقة واغتصاب الحقيقة، حيث أن البحث عن الحقيقة له شروطه، وأدنى ما أنتظره من المعدّين لهذه الجلسات هو أن يكونوا قد أرسلوا من بينكم أفضلهم معرفة بثقافتي أو دعني أقول من هو مؤهل لمحاورتي والخوض في موضوع متشعب كهذا، إذ أنه يستوجب الإحاطة العلمية الدقيقة بثقافة وطبائع هذا الآخر، سيما وأنكم اليوم تحققون مع هذا الآخر خشية على قيمكم ومكتسباتكم التي سجنتها دفات كتب وغصت بها رفوف مكتباتكم.

رأيت أنّه لزاما علي  أن أشير عليكم بذلك للاسباب التالية:

كوافد من العالم الثالث لا أعرف رديفا لهذه الجلسات إلا ما كان يحدث في مسارح القدماء أين كانت التسلية تحصل عبر التعذيب.

أما التعذيب في العالم الثالث فهو ليس وسيلة للتسلية فقط عند الجلادين،بل كذلك هو فرصة لديهم للتخلّص من عقد شخصية وإجتماعية جثمت عليهم في مساحة لا وعيهم. لذلك تجدهم يعذبون ويقتّلون محرّريهم، ظنا منهم في أحسن الأحوال أنّ ذلك يبرّره لهم أكل العيش، علما أن الجلادين هؤلاء هم في عمومهم نماذج للمعدومين إجتماعيا.

والتعذيب على أيدي هؤلاء على بشاعته قانونيا وخلقيا لا يوظّف دائما كوسيلة لاغتصاب إعتراف. إذ أن ذلك الإعتراف لا يغني في كل حالاته من الحق شيئا. بل يكون التعذيب أحيانا أقوم السبل للتصفية الجسدية بغرض التخلص ممن قدّر لهم أن يعدموا بعيدا عن الأعين.وهي طريقة على ما هي عليه تنمّ عن ذكاء على إعتبار أن الغرض قد تحقّق وتحقّق معه إرضاء الحلفاء في تأديب”المتنطعين” من ناحية ودون أن يطّلع على ذلك أحد. الأمر الذي كان قد يسبب للحلفاء حرجا أمام الرأي العام الدولي لو أقرّ ذلك ، أي الإعدام، بحكم جنائي.

“الحكمة” قضت أن يحصل ذلك  إذن دون اللجوء الى المحكمة أين سيقضي “قاض” وربما بحضور محام …ويفوح “الطيب”.

هناك وجه ثان للذكاء الذي تنم عنه هذه العملية التصفوية. لقد أصبحت الإنخراطات في قافلة الإمضاءات على إلغاء عقوبة الإعدام هي الأخرى موضة في العالم الثالت. ولا تسألوني إن كان ذلك عن قناعة من الممضين أم تكتيكا وإرشادا جاد به الحلفاء على الزعماء. المهم والثابت هو القتل في دهاليز التعذيب لا يمكن أن تشرق عليه شمس المعاهدات والإتفاقيات.

قد يتساءل أحدكم، أيها الحضور عن محل قولي هذا في جلسة يومنا هذا وعن دوركم في ذلك.

ما قصدته من قولي هو ليس بالضرورة تبيان رفعة الخيط الفاصل بين من يقوم بالأدوار المباشرة وغيره الذي يقوم بالأدوار غير المباشرة. بل تذكيركم أن التحقيق في حقيقته هو قيمة أخلاقية صرفة، على إعتباره يهدي إلى التحري… وهو كذلك ما سيّر في فضاء مسؤول أخلاقيا.ومن أولويات تحقيق شروط ذلك بالنظر الى هذه الجلسة هو الإحاطة الدقيقة بثقافة الآخر، وإلاّ لاستحال علينا وجود فارق بين تحقيق اليوم وطبيعة التحقيق في العالم الثالث.

فلئن حصل التعسّف على الحقيقة هناك بتوظيف تقنيات التعذيب المستوردة من عندكم، حصل التعسف هنا باستعلاء الجهل.

صحيح أنه ظاهريّا هناك فارق بين الحالتين، لكن وجب علينا أن لا ننسى أن الحالة الثانية هي الممهّد للحالة الأولى. وقد وحّدهما شعور عداء الكائن الحي لما يجهل. فبجهل قيمة الفكر و إبداعاته تنشط الجريمة السياسيّة وتنتعش. وحين تصبح الجريمة السياسية هي الأصل يصبح من الخطورة بمكان أن ننظر إلى واقعها بما في ذلك ممارسة التعذيب ضمنه بمعايير قيمية أخلاقية. بل مجرد القول أنه في فضاءات الجريمة تلك يحصل فيها على الحقيقة بغمط الحقيقة يضمر هو الاخر خطورة, خطورة بعث الشعور في المتلقّى السلبي من خلال إستنكار ذلك الفعل على أصحابه، أن ما هو قائم ليس أصل الشيء, حيث أن الشيء لا يستنكر طالما هو الأصل. وقد صدق من قال الشي من مأتاه لا يستغرب.

الخطورة تكمن إذن في أنه تبعا لذلك يصبح المتلقي ينظر إلى ذلك الوضع على أنه زائل أوقابل للزوال.

وهنا يجب التفرقة بين ما هو قابل للزوال، أي انه يحمل الشي ونقيضه، وبين ما هو واجب إزالته.

فالإحساس الأول أي الشعور بأن ماهو حاصل مآله الزوال تكون ميزة ردود الفعل فيه على الواقع، أي المساهمة في مقاومته، سلبية بل معدومة.

أما في الحالة الثانية كون الواقع قابلا للزوال تكون ردود الفعل ظرفية موسمية متقطّعة.

ومن أبرز سمات ذلك الوعي المنحرف هو خداع الذات الذي يمارسه الفرد أوالمجموعة

.فحين تنكشف حقيقة قدراتهما يفرّ الكل إلى إيهام الذات في السرّ والعلن بأن دوام الحال من المحال. لذلك أقول أن ماترونه و تسمعونه من نبيح في واقع تخشونه هو في الحقيقة إفرازات لواقع مريض جدير بالرأفة لا بالمقاومة والمحاربة.

هذه نبذة بسيطة أسوقها كمدخل لواقع ضخّمتموه أو ضخّم لكم. و كانت النتيجة أن أرهقتم أنفسكم في الإعداد لمقاومة شبح في الداخل والخارج.

أما عن مقاومتكم له في الداخل، أي على أراضيكم، أين يزعم أنه يعرف الحجم الحقيقي لهذا الشبح، فقد وّظف ذلك توظيفا أوجد مناخا فذّا لانتعاش الجريمة – على إعتبار عدم إحترام القانون جريمة – بزعم مقاومة الجريمة، أي مقازمة الإرهاب. و سيرد تفصيل ذلك لاحقا.

إن العقل البشري السليم لا يمكن أن يتصور حتى لذات التصور أن فضاءات كتلك يمكن أن تفرز شيئا منافيا لأصلها حتى وإن كان هذا الفرع في أوروبا، وذلك لانتفاء القدرة الإبداعية محليّا.

وكل ما نراه من أشكال تنظيميّة هي مجرد نسخ ونحت لأجساد خالية من كل روح. فقد قدم لنا التاريخ عبر فصوله الحديثة أمثلة كيف أبيد أولئك الذين جاءوا “بأفك” من خارج  تلك الربوع في شكل مشاريع فكرية وسياسية وأرادوا ـ عن غير وعي منهم ـ  أن يسقطوها على واقع الحال. إني لا أحمّل المسؤولية هنا  لأولئك الذين قاموا بعملية الإبادة تلك، إذ أني لا أرى في سلوكهم الغريزي هذا أي شبهة. فهناك كائنات حيّة تنقضّ على الخصم حين تحّس لمجرّد الإحساس غريزيا أنها مستهدفة.

المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الذين حاولوا أن يصلحوا الخطأ بخطئ أفدح منه، إذ ظنوا خطأ أو جهلا، أن إستيراد ما أنتجه العقل البشري عبر مراحل نشوئه وتطوره لا بد أن يسلم به عبرمخاطبة كل كائن حي بدا في ظاهره إنسان. ووقعوا بذلك فريسة وعيهم الشكلي أوالكمي حين سجنوا ماهية الإنسان في شكله، وظنوا أن شكل الانسان كفيل باستيعاب وتبني القيم التي أنتجها نظيره في الشكل فعليّا عبر مراحل تطوّره. وكانت النتيجة أن أفترسوا جزاء وفاقا لسوء تقديرهم للواقع. والإفتراس هنا تعبير مجازي لأني أعلم أنكم تعلمون أن ظاهرة إفتراس لحوم البشر من قبل حكّام العالم الثالت لم تعد شائعة اليوم.وهذا مؤشر على أن هؤلاء كذلك قابلون للتحول والترويض إن توفرت الأدوات الصحيحة لذلك. رغم ذلك التهذيب من سلوك هؤلاء فقد أصبح الكثيرون يتحسرون على واقع الأمس هذا ،حيث كان سلوك حكام العالم الثالت يحدث بشكل عفوي وغير مركب.

فالإستعانة بتلقينات و تقنيات اليوم للحكم وفي الحكم جعلت دائرة الجريمة تتسع وتسري دون أن تدرك، وأصبح ضمنها المفترس المقتول قاتلا لنفسه “إراديا”.

أفترض أنكم تعلمون أن العالم العربي باعتباره محورالهوية السياسية للعالم الثالث، لم يلتفت يوما إراديا أو قسريا إلى قيمة الإحتكام للحكمة لانتفاء الأسباب الدافعة الى ذلك، خلافا لما حدث في ربوعكم أين أذعن فيها الكل للسلم بعد أن أدركوا قيمته بالقوة، عقب عهود فتكوا فيها ببعضهم بعضا وخرج الكل من تلك المعركة خاسرا.

لكننا رغم ذلك نلاحظ في العالم العربي نسيجا وبنية سياسية شبيهين في ظاهرهما بتلك التي أفرزتها حركة التاريخ السليمة عندكم، كثمرة وشرط لحركة التصحيح في الغرب.

قد تكون تلك الظاهرة صحية لو تبين أنه قد طاف على عمار هذا العالم العربي طائف،فحوّلهم دفعة واحدة بين عشية و ضحاها إلى مدركي قيمة ماهم فاعلوه إلهاما. أما الحقيقة فهي غير ذلك. فقد إستحكمت حالة الإنفصام سلوك هؤلاء، فتجلت في كل مناحي الحياة. وليس شكل الدولة هو المثال الوحيد المجسّد لهذه الحالة المرضية حيث أن توفر هيكلها العظمي عظم في الأعين ليحل محل الجوهر وهي خدعة وقع في شراكها “ظاهريوا” الداخل والخارج على حد سواء.

بل تعدى هذا الوعي المنحرف فهم الدولة إلى فهم ماهية الانسان، وهو أهم مكونات الدولة ومكونها في آن. فظل – كما ذكرت – يحدّد هو الآخر من خلال شكله إستنادا إلى تأويلات غريبة، مفادها أن ماهية الانسان على ضوء المفاهيم السائدة حقيقة قائمة منذ ولادته، أي أنها محصول حاصل بالخلقة كحال الحيوان وليست حصيلة تفاعل مع التاريخ.

مثلما تضرّرت ماهية الإنسانية بسبب هذه العقلية الشكلانيّة، تضرّر معنى البنيات والبناءات الإجتماعية إجمالا.

فنفس الطريقة التي يفهم بها المرء ماهيته المفقودة نجده – وهذا طبيعي – قد وظّفها في فهمه لوجوده بما في ذلك أبعاد وجوده الفكرية والسياسية…وطبقا لذلك برزت ممارساته شكلا وجوهرا.

هنا لا أعني التشكلات المسخّرة سياسيا أو إجتماعيا في الأنظمة الإستبدادية، بقدر ما أعني تلك التي تقدم نفسها كبدائل وبلسما  لواقع ما، وفق ذلك الفهم الخاطىء.

هكذا تجدهم بدل أن يفحصوا الواقع ويعاملوه بالطريقة السليمة الملائمة حتى يفرز طوعا أو كرها فقاقيع علله فيجنح لإرادة الحكمة، تجدهم يتعسّفون عليه فيهرعون لنحت الهياكل كتكوين أحزاب على أمل أن يمن عليها هذا الواقع المريض بنفخ الروح فيها. وهكذا بقيت تلك الهياكل ليست لها من وظيفة عدى وظيفة إستفزازية لمن نظر فقدر ثم قرّر أن ينفرد بالفريسة ولا ينازعه فيها احد.

إن القصور المعرفي لدى هؤلاء النسّاخ ليس هو وحده المسبب لدوام حالة إنخرام الواقع، بل ما جعل الأمر اليوم في غاية التعقيد والخطورة هو توظيف المعرفة لصالح مصالح المتمكّن الذي يفتقر للشرعية والحماية الشعبية، فيلجأ لسد هذا الفقر في الشرعية بتوظيف وكلاء، مستفيدا من الطبيعة التواكلية عند من تملّكهم إحساس بالمعارضة – أي كمعارضين- فاستوردوا لذلك مظاهرها كاستيراد مظاهر حياتهم الشخصية ، ناسين أن ما استوردوه مما أفرزته العزائم عند الآخرين لا ينتقل عبر العدوى…

إن شغل الوكلاءهؤلاء قد نشط كذلك على عهد الإستعمارالمباشر. وخلافا لما كان عليه حال هؤلاء الوكلاء زمن الاستعمار، أين كانوا مجرد مرتزقة يفعلون ما يؤمرون، تعقّد الحال اليوم، فلم يصبح التركيز على البطون فقط يفيء بالغرض بل وقع تفطين المتمكّن إلى ما هو أهم من ذلك اليوم عند الكائن البشري، وهي غريزة السلطة، بغرض توظيفها لاحقا في خطابات حضارية الطابع  في ظاهرها.

إني إذ أتحدث عن غريزة التسلط أو حب السلطة هنا لا أعني أن الوقوع في قبضتها شيء مستحدث أو مستحب بل المستحدث في ذلك هوطرق توظيفها.

سابقا كانت تلك الغرائز مستهدفة من المتمكّن والّتابع على حد سواء. إذ كان كلاهما يعمل من موقعه على قتلها وكبتها ثمن ولاءه للمعتقد، ثم مالبث المتمكن أن تفطّن لمزايا عبادة التذلّل هذه، فألّه نفسه ليحل محل الرب في انتزاع هذا الحق ضامنا لنفسه بذلك ثمرة جهد العبيد قبل ولائهم له.

على نقيض ذلك نجد اليوم إثارة الرغبة في المشاركة في السلطة عن طريق المن طريقا لتحقيق الذات وبأي ثمن.

في خضم ذلك لم يترك المتمكن في العالم الثالث على سلوكه الغريزي القديم فقط، أي الإنقضاض على كل من يرى فيه خطرا أو يوجس منه خيفة، بل تطوّر بسبب أو بآخر ليحقق نجاحات يصعب عليه تحقيقها لو بقي على حاله القديم، وذلك لاعتماده على تهييج غريزة حب السلطة عند التبع مع سد المنافذ دون تحقيقهم للغرض وفقا للقاعدة: المدمن يسهل صيده.

سبق وأن أشرت إلى أولائك النحّاتين أو الناسخين الذين ينحتون من الوهم واقعا فكريا وسياسيا، فوجه الشبه بين هؤلاء وأولئك التبع أصحاب النشاط ذي البعد الواحد هو أن كليهما يسير بإمرة الغريزة وإن صعب إدراك ذلك بسهولة.

فالإنخراط في طبقة المرتزقة مثلا هو ليس بالضرورة حركة آلية، بل قد يسبقه صراع بين القار والمتحول، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون في الإنسان،أي بين الإنسان الكم والإنسان القيمة.

وهذه الصورة لا يمكن أن ننفيها على أولئك الذين شغلهم إحضار توفير السجّاد عن بناء المسجد ،أي أولئك الذين يسارعون إلى بعث هياكل تحت أسماء ومسميات شتى، كأحزاب وجمعيات مثلا، عزاءهم في ذلك هو أملهم في أنه ستمنح لهم فرصة تحقيق الذات من خلال ذلك، وهي رغبة  مشروعة إذا روعي فيها أسباب سلامتها.

أما أن يصبح إشباع تلك الرغبة وما يتفرّع عنها هو أصل الشيء، يصبح إنتداب هؤلاء الغريزيين والتمعش بهم سياسيا أيسر ممن سواهم بما في ذلك الغريزيون التقليديون أصحاب البعد الواحد حسب الفهم الكلاسيكي لذلك…

فبقدر ما يسهل التعرف على الأسلوب الغريزي عند من وّظفوا من الطبقة الثانية من خلال إصطيادهم عبر غرائزهم، صعب ذلك عندما يتعلق الأمر بالطبقة الأولى، سيما و هم أي مكونات هذه الطبقة عادة ما يكونون في حل من معاناة الفاقة حسب فهم العامة لمعنى الفاقة، وهكذا غاب تصنيفهم تحت طائلة جاعت الحرة فأكلت بثدييها كما يقال في حق غيرهم ، وذلك بعد أن أخفوا أو أخفي عملهم عن قصد أو عن غير قصد وراء “ترمنولوجيا” السياسة والفكر… ومن فداحة صنيعهم تجدهم يتلوّنون كالحرباء في تعاملهم مع ما أعلنوه كمعالم لهويتهم السياسية. أما قوّة تماهيهم معها والثبات عليها تقرأه في إيمانهم بها أوّل النهاروكفرهم بها آخره، فهم بذلك لم يرقوا إلى مستوى تعامل العامة مع قناعاتهم رغم طابعها التقليدي التي جذرها فيهم عامل الزمن. فالنفاذ إلى حرمة الفلاح الصعيدي مثلا، على نقيض المصري المتفتّح “إلّي يفتح يعني” لا تتاح إلا على جثّته، طالما هو على وضعيته كفلاح وطالما ظلت هويته على هشاشتها غيرمنتحلة، فأخذته العزة بوضعيته على نقيض عزّة الذين أخذتهم الذلّة فاستشعروا في أنفسهم شخصية من إنبهروا بهم، وانتحلوها هويّة لهم، فجاءت أعمالهم منفصمة طبقا لانفصام شخصيتهم. فمجرّد التبرئ من الذات وماضيها،هو مؤشّرعن علّة الذات المتبرئة لا عن سلامتها وبنائها.

يمكننا أن نجد أكثر من مثال على ذلك بنظرة إلى واقع أولئك الذين اتكؤوا على رفع شعارات مستحدثة لغة، ضاربة في تاريخ الإنسانية  قيمة، كمشروع سياسي في وجه المستحكم، فبمجرد أن وقعت عليهم نظرة ناظر وقعوا في الأحضان.

فهذا لا يعكس عمق الفجوة بين المعلن والقناعة فحسب، بل إن ما يبدو تضادا في القناعتين بين المعارض والمعارض لا أساس له ،وإن ما أوهم بذلك هي الإنحرافات اللفظية التي انطوت عليها الشعارات.

طبعا الحديث هنا لا يستهدف من أكرهوا على هذا البغاء و قد أرادوا تحصّنا، إذ أن من بين المنخرطين في هذا المستنقع من أبت قلوبهم ذلك وقبلته أيديهم وألسنتهم كرها.

فالقناعة إذن هي واحدة بين الزمرتين. أو بالأحرى الدافع واحد، وهو إشباع غريزة السلطة. وإلاّ لما حصل التواصل بينهما. وتبقى على هذه الشاكلة لها ما يشرّعها لدى الإنسان الخام.

كنتيجة لسلوك هذه الظواهر الكلامية فقدت القيم الإنسانية أو ما يسميها البعض قيما حضارية مصداقيتها بعد أن أصبح من رفعها بالأمس كمعارض شعارا يشرف اليوم إشرافا مباشرا على إنتهاكها في غمرة التمعش به مقابل تمعشه بالسلطة. فهم ولئن  إستفادوا بالأمس مما جمعوه من معلومات نظرية ومما استوردوه من سجلاّت أمم حرة ووظفوه أيما توظيف الأمر الذي افضى بدوره إلى توظيفهم، لم ينجحوا اليوم في ستر سوءاتهم بعدما إرتضوا لأنفسهم أن تفتض بكارتهم ويستمتع بعسيلتهم ثم يرمى بهم في مزبلة التاريخ.

لسائل أن يسأل قائلا، أنى لتلك المبادئ التي غيّرت “الحتمي” في التاريخ في مواطن نشأتها أن يقع إحتوائها هنا عبرإحتواء سماسرتها وبهذه السهولة في واقع أقل ما يقال فيه أنه واقع التفاهة.

من هنا يوضّح ما سلف ذكره جليّا، أن القوة لا تحملها الإعلانات بل القوة تكمن في التماهي بين المعلن والمعلن.

ففي هذه الحالة لا يفيء بالغرض إستيراد المبادئ وإسقاطها تعسفا على واقع ما، سيما وأن تلك المستوردات غالبا لا تجد لها موطنا عند المورد ذاته. على عكس ذلك لا نجد أثرا لهذا الشرخ في بنية من إحتج عليه برفع تلك المبادئ ضدّه. فبغض النظر عن كيفية وطبيعة بنية المتمكن مكّنه تماسكه ذلك على وضاعته بالبداهة من الإحتواء السلبي لتلك الإعلانات عبر إحتواء مسوّقيها وتحويلهم الى أبواق بإسمه.

هكذا يتأكّد لنا مدى قوة السلطة بالسلطة للسلطة في السلطة، و بالقدر نفسه يتأكد لنا أن البنية الغير مركّبة تلك عند المتمكن إزدادت تمترسا بعد أن اصبحت تغذّيها اليوم قوة أشكال من المعرفة، هذا ما جعل الأمر اليوم في غاية التعقيد والخطورة ،إذ أصبحت المعرفة توظف من قبل المتمكن عن طريق توظيف وكلاء. ولكن كيف وفي أي إتجاه؟

بالإضافة إلى مثالي المرتزقة الذين سبق التطرق إليهما سالفا – هذا مع مراعاة  إختلاف نزعة المنفعة لديهما – نجد هنا أن مجالات التوظيف أخذت حيّزا كميّا ونوعيّا أعقد من الحالتين سالفتي الذكر ومرد ذلك إستراتيجية العصا والجزرة.

فالمتمكن الذي يفتقر الى التمثيل ومن ثمة إلى القاعدة إستعاض عن ذلك بالمراهنة على المنفعيين ونجح في ذلك حين راهن على القاسم المشترك بين عمالته ليضمن لنفسه أرضيته المنشودة.

أما عن العامل الموحّد لتنوّع مختلف الطبقات ضمن دائرة عمالته فهو ما سبق وأن أشرت اليه، أي دافع غريزي منفعي وهو بدوره يتفرّع إلى فروع عدة ذاتية الطابع، فقد نجد ضمن ذلك الإطار من ينشد إعترافا إجتماعيا حسب المعايير الأخلاقية السائدة في مجتمع الحال وإلاّ لما سعي لذلك بذلك، مثلما يجد في ذلك الإطار ضالته من ظل يبحث عن أسباب الحفاظ البيوفزيولوجي وضمان بقائه كمّا.

الجديد في إستراتيجية التوظيف هذه، نجده كذلك في تسخير الإعلام.

لئن لم يكن الإعلام هو الوكر الوحيد والأرضية الخصبة لهذا المناخ يبقى هو الأهم من حيث هو الأوسع والأقدر على الإستهداف. فهو كونه النافذة المطلة على الكل يبقى دائما أهم الوسائل الضامنة لتسطيح الوعي والكابحة لحركة الفكر. وهي بلاشك طريقة أثبتت جدواها، لكن في واقع الرتابة!!!

الجدير بالإشارة إليه هنا هو أن ضمن هذا الإطار تمحى بسرعة مذهلة وتذوب الفوارق بين المقاصد الدافعة  بداية للإنخراط في خدمة المتمكن.

فمع مرور الزمن ينتفي التنوع في الشعور عند المنخرطين فلم يبق المنخرط يتحرك في  فلك الدافع الأوّل الذي إنخرط من أجله في هذا الفضاء أو هذه العلاقة وذلك بتوليه وظيفة الوسيلة، كأن يكون ذاك الدافع بغرض الإرتزاق أو بدافع تحقيق الذات من خلال نيل حظا في ممارسة السلطة يخوله “إعتراف” اجتماعي، بل ينشأ على انقاض ذلك شعور جديد ينصهر فيه تنوع المقاصد الأولى وتتحد فيه المسارات. شعور ذو طابع و”جودي” ميّز دائما العلاقة ضمن بنية الجريمة السياسية المنظمة. فعقلية أقتل لتعيش لم تعد موجهة إلى من يقف خارج هذا الإطار، بل تتطور وقد يبلغ هذا الأمر ذروته حين يصبح المتمكن رهينة في أيدي موكّليه ،وهي ليست الإستتناء في علاقة المتمعش بالمتمعّش به.

يضاف الى هذا الشعورالوجودي المبتذل وضع سيكولوجي يتّحد فيه الكل على تنوع المقاصد ضمن الإطار المذكور.

فيقين هولاء بالنظرة الدونية التي ينظر اليهم بها خارج إطارهم يقوّي فيهم رغبة الفتك بالآخر. ومن مظاهر هذا الفتك هوالعمل على محاربة  كل أثر قيمي أخلاقي ينطق بقبح مسلكهم.

من خلال ذلك يرسم للتاريخ حركته داخل ذلك النسيج “الإجتماعي” المتشكّل على تلك الشاكلة. لذلك أرى أنه من الأصوب أن أستعيض على عبارة الإجتماعي أين تعطى الأولوية للتنوّع و النوع، بالتجمّعي لأولوية التعبئة فيه عن القيمة.

و الآخر لا يعني في خضمّ هذه الطبيعة “السّياسية” الآخر “إيديولوجيا” حتى وإن أوحى الواقع في ظاهره بذلك. فالنزال هذا لم يكن دائما قائما بين المتمكّن وأعوانه من جهة والذين غالبوا أنفسهم و نؤوا بها عن الإنخراط في الركب، بل النزاع يحكم الحركة عموما و يظهر أكثر تجليا داخليّا في نسيج محترفي السلطة.

نحن نعلم أن دوافع الإنخراط السياسي في العالم الثالث كما سبق وأن أشرت إليها هو التمعش .من أراد هنا أن يضمن لنفسه وضعية مريحة أكثر عليه أن يعمل على التدرج في ذلك الواقع، ومن ينشد التدرج عليه أن ينتج أي أن يكون له باع في سوق المنافسة البينيّة السائدة.

فالحديث عن المنافسة في المطلق يضمر الحديث عن الإنتاج وهذا المنتوج قد يكون ماديا (صناعات، مشاريع …) أو معنويا ( أفكار أو نظريات…) وكل منهما يكمل الآخر حتى تحدث التنمية.

إن حركة المنافسة هذه قائمة هي الأخرى في العالم الثالث شكلا على نفس المبدأ – أي لا ترقيةّ بلا منافسة- إلا أنه لو نظرنا إلى المنتوج الذي تتجلى فيه قوة المنافسة من ضعفها لوجدناه شيئا آخر غير ذاك الذي تجب فيه المنافسة الشريفة بغرض تنمية المقدرات والثروات للدولة حين تكون كذلك أي على عكس السائد في هذا الواقع الهمجي تحت إسم الدولة، إذ أن المعنى العلمي للدولة ليس كما يقع تتفيهه من العام والخاص من خلال إختزاله في قطعة أرض ” الدولة”، يعمرها قطيع من الكائنات الحية “شعب”، يسودها أقرب تلك الكائنات الحية للوحشية – ولوإن ذلك كان يحدث أحيانا عبر تسخير وسائل سبق ذكرها-  “رئيس”.

فالدولة ليست كذلك مالم تتوفر فيها عناصرها الثلاث. فبالإضافة إلى الوعاء الجغرافي ليست الدولة بدولة ما لم يقر فيها مبدأ فصل السلطات الثلاث؛ مبدأ التداول على السلطة كضامن لحرية الأفراد و حقوقها وهو مالا يتحقق إلا بإرغام النواميس السائدة على الجنوح لذلك.

أما في العالم الثالت أين تكون العناصر الثلاث المكونة للدولة ملكا لعصابة على رأسها “رئيس” أوملك يبقى مجال الإنتاج الوحيد الذي يتنافس فيه المتنافسون هو الإجتهاد في إنتاج آليات الولاء. فليست الكلمة هي الدليل الرئيسي على ذلك، بل قوة الفتك بالمغرّدين خارج القطيع هي أصدق أنباء ذلك الولاء، و في ذلك تنافس المتنافسون. وهكذا كانت لهم الغلبة على من وقفوا عند حد الكلمة.

الحصيلة الحاصلة لهذا كله هو أن الفرد مع مرور الزمن واستمرار الحال على ماهوعليه تربّت حواسّه على ذلك وتبلّد ذهنه ونسي بل تناسى أنه مضارب في أسهم الدولة ليقبل عن وعي أو عن غير وعي أحيانا بخدمة المستبد ضمن علاقة السيد والعبد. هذا عن الأسباب الداخلية الحائلة دون تحقيق الكرامة، إذ لا تنمية بدون كرامة. لكن ماذا عن دور السياسة الدولية في تكريس الإستعباد و الحرمان.

هنا أعود، أيّها السّادة المحقّقون إلى دور سياسة دولكم في هذا كلّه، وأذكركم بأن الشقي من لا يتعض بغيره بل بتاريخه. إذ إنكم عشتم نموذجا لحال العالم العربي اليوم في تاريخكم القديم، ولعله من حسن حظكم أن حركة التاريخ آنذاك كانت تحدث عفوية، أي لا وجود للآليات والتقنيات الموظفة اليوم في توجيه الوعي و حركة التاريخ حسب الحاجة.

لقد باركتم أيها السادة، أقصد باركت سياسة الغرب الوضع هناك لأمر يعلمه الراسخون في العلم.  وظف البعض ذلك على أن تبقى البنية الإجتماعية والسياسية في العالم العربي إقطاعية الشكل والجوهر حتى يتم التحكم في الواقع عن بعد، وقد تراوح ذلك بين الدعم الإستخباراتي والمالي والسياسي. ولكن آفتكم أنكم تنسون…

للتذكير فإن هؤلاء الذين يراهنون على هذه  الإستراتيجية هم في الحقيقة لا يكشفون طبيعتهم الإستعمارية المستمدة من عقيدة بالية فحسب، بل إنهم يؤكدون كذلك أن عملية تطهير التاريخ في ربوعكم لم تكن بتلك الدرجة التي تنطق بها أدبياتكم وظاهر حياتكم اليوم. بل إن تلك الأخيرة ما فتئت تقدم لنا بين الفينة والأخرى نموذجا لعقلية وعقيدة الأمس بمفردات اليوم، حيث يتجلى ذلك في المعارك الداخلية السياسية والفكرية. وهذا ما نلحظه عند توظيف المحافظين لمفردات الحداثة في لحظة غفوة أهل الحداثة.

ربما قد تعجبون ،أيها الحضور مثل ماأعجب لغرابة هذا السلوك العدائي، كما قد يعجب لقولي هذا ذاك الذي يرى أن كلامي موجه الى مجموعة دون أخرى أو ثقافة شعب بعينه في المطلق دون غيره. وهذا دأب محدودي الأفق الذهني.

إن ما سبق ذكره عن سلوك العدائيّين “المحافظين” قدّم نماذجا لذلك في حياة الآخر. وهذا ما يؤكّد أن هذا الخلل البنوي في حركة التاريخ لم يكن كما يراد له أن يكون، أي أنّه ليس  خللا جيوذهنيا بل هو أنطروبولوجيا.

فإشارتي إلى وحشية حركة التاريخ في إطار جغرافي معين لا تعني البتة التأكيد أن تلك خصوصيات وطبائع جبل عليها خلقة واقع جغرافي معين دون  سواه أو دون آخر وإلا لما تآلفت قلوب حكام ذوي خلفيات ثقافية مختلفة إلى حد التضاد لينسّق حكام في الشرق ضد شعوب تحكموا أمرها مع حكام في الغرب، بل ما دفعني إلى هذه الإشارة هي مكانة واقعكم اليوم، أعني واقعكم بحكم زخمه التاريخي الذي أفرز له فيه حركة الأنسة، فأهّله ذلك لأن يكون مرصدا و مرصدا لحركة الأنسنة في بعدها الكوني من خلال حركة التضاد في بعديها الذهني والممارساتي. و هذا يعود الى تميز حركة التاريخ فيه في فترة نضوجها بأنها لم تكن خطية بل جدلية المسار.

فكلما ضعفت في الحركة خاصّيتها تلك عادت الغلبة لأصحاب البعد الواحد الذين لا يعرفون الحقيقة إلا من خلال الحس المباشر أعني الوخز المباشر وساد بذلك التوحش الذي يستمد قوته من هناك، ولا غرابة حيث الأخلاق والغريزة عدوان لا يلتقيان. فقد قدّم تاريخكم أمثلة وعبر لمن ألقى السمع وهو شهيد على ذلك التوحّش في لونه الكنسي أو العنصري.

وقد نخطأ خطأ فادحا لو إعتمدنا آليات الأمس في تقويم واقع اليوم . إذ أن حركة التاريخ بالأمس إذا قيست باليوم يحسب لها إيجابياتها . وأهم تلك الإيجابيات تبرزها طبيعتها غير المركبة كما ذكرت.

فبساطة وتلقائية حركةالتاريخ فيها كان لها الفضل في سرعة حسم معركة المتضادات آنذاك. ومن مظاهر التلقائية تلك أن كانت الأمور تسمّى  بأسماءها وليس لغسل الأدمغة حيّز فيها.

فليس من كانوا يقاومون الجريمة السياسية آنذاك أيّا كان مصدرها، وعلى رأسها إستبداد السلطة ، ينعتون بالنعوت المعروفة اليوم بغرض شل حركتهم والحيلولة دون إنتزاع عتقهم من كلّ أشكال الإستعمار. بل إن إعتماد الخطاب السياسي على الكلمة آنذاك لم يكن بغاية توظيفها كما هو حالها اليوم. وقد قدّم لنا التاريخ مثلا على ذلك من حياة “روبسبيار” الذي إعتمد لاحقا على توظيف الكلمة من أجل تحقيق أغراضه السياسية. الأمر الذي لم يجده نفعا، ولم ينجه من أن تطهّرت الأرض منه، فخلد التاريخ الأوروبي حدث الإنقلاب ضده وإعدامه عبرة لمن يعتبر، و نموذجا لحركات التحرر والإنعتاق.

للتوضيح أقول إن ذكري لروبسبيار هنا لا يعني البتّة وضعه في نفس مستوى علاقة المتمكّن بعبيده في العالم الثالث اليوم.

فروبسبيار كان له باعة في مقاومة الإستبداد قبل أن يتحول لاحقا إلى مستبد. وجرائمه التي مارسها في حق شعبه لم تكن جرائم لغاية الجريمة، بمعنى لغاية الحماية من القصاص كما هو حال حكام العالم الثالث اليوم. بل إن ماكان يقدم عليه من أفعال كان يظن خطأ أنها ستفتح له الطريق لتحقيق الرفاهة لمجتمعه، وهو النغم نفسه الذي نسمعه على ألسنة مستبدي العالم الثالث اليوم مع فارق واضح، إذ أن هؤلاء الأخيرين الذين أذلّوا “الشعوب” فأطاعوهم بزعم نشر وحماية مبادئ الديموقراطية مثلا كانوا يوظفون ذلك للتستّر على جرائمهم.

لا شك أن ذلك لم يكن موجها أساسا للإستهلاك الداخلي ، حيث لا ضرورة لذلك اليوم أين أصبح الذل والتذلل المكوّنين الأساسيين للشخصية في مواطن تحكّمه، بقدر ما هو موظف لرفع الحرج على الحلفاء في الخارج.

فالمقارنة هنا لا تصح كما رأينا في حق روبسبيار مع متمكّني العالم الثالث فحسب، بل كذلك في حق شعب روبسبيار بأقنان العالم العربي على الرغم من الفوارق الشاسعة تاريخيا وثقافيا وذلك للإعتبارات التالية،

فعلى عهد روبسبيار كان لا يزال الإعتقاد القائل بأن طاعة السلطان من طاعة الرب قائما. كما أن الذين بيدهم ملكوت تغييرالأوضاع بما في ذلك الضباط  في عهده هم من طبقة النبلاء الذين يمثل لهم عمل روبسبيار الدرع الواقي أمام أي تمرد ضدهم، بمعنى أن روبسبيار بسلوكه هذا هو في خدمتهم.

أما لو نظرنا في الواقع الجيوسياسي للضفة الأخرى الذي لا يفصله عن واقع روبسبيار البعد الجغرافي فقط، بل يفصله عنه كذلك حوالي أربع قرون من الزمن. ناهيك عن الفارق في العمق الثقافي وهوالأهم، فسنعجز عن إيجاد وجه للمقارنة بين ضباّط التحرّر بالأمس وضباّط الذلّة – مع إستثناء ندرة منهم-والمسكنة اليوم .

من هنا تتأكد أهميّة التلقائية السائدة على عهد روبيسبيار. فالرضى بظلم السلطان ليس كفرا وجزاء من قبل بذلك الجحيم كما نسمع اليوم على ألسنة القاعدين الزاعمين علاقة الدّنيا بالدّين بغرض “إستنهاض الهمم” وقد أقاموا بذلك الحجّة على أنفسهم، بل إن تلك عبادة حسب العقيدة الكنسية السائدة آنذاك والمشرعة لاستبداد الحاكم باعتباره يستمد شرعيته من الرب ومن ثمة يستحال نظريا أن يدب الشك في مصداقية السلطان وشرعيته.

فطبقة التبّع كانت لا ترى سبيلا للخلاص والسعادة الدينية إلا عبر بوابة طاعة السلطان. وعلى الرغم من ذلك تأكّد أن فساد العقائد والتعويل عليها صفقة خاسرة. فتهاوى ذلك الدرع حين تبين تعارض ذلك مع ما يجب أن يكون عليه الإنسان على درب نحت ماهيته كإنسان.

من المفارقات العجيبة أننا نجد اليوم في العالم الثالث أن الذين يلوذون بالمتمكن ويحمونه- على عكس حال عهد روبسبيار-هم أولائك المسجونون بأوامره بين أسوار ثكناتهم.

فالضباط الذين أفضى روبسبيارعلى أيديهم إلى ما قدم، لم يكونوا جزءا من طبقة المعدومين إجتماعيا كما هو حال ضباط اليوم، الذين يمتهنون مهنة إدامة إسترقاقهم بل انهم كانوا من طبقة النبلاء وهذا ما يحيلنا إلى الحقيقة الضائعة، إلى أن  الإنسان لا يمكن أن يسمو الى حقيقته طالما سيّجها بما أودع فيه من غرائز أخضعه ذلك إلى حركة ميكانيكية، قضت وظائفها وقوانينها أن تجعل ممن خضعوا لها أن يظلوا إنتاجا لا منتجين، ذلك بعد أن تسطّحت قناعاتهم وآفاقهم.

فحركة التطور لا تحصل بالتجانس السلبي مع ماهو حاصل، بل بتطويع ذلك للحركة السليمة ويكفي أن أستدل على ذلك بالمثال الآتي من الحياة اليومية مبرزا دور الثقافة في ذلك  باعتبارها مصدر الرضاء الهدّام أحيانا.

قد نجد تاجرا كان قد حقق نجاحا من خلال تسويق بضاعته عبرعهود طويلة، على الرغم من أن هذا النجاح هو ليس وليد سبب تحمله البضاعة في حد ذاتها، بل هناك عوامل إجتماعية وأخرى تاريخية أضفت على هذه البضاعة قيمة لا قبل لها بها، يصعب إدراكها بالإعتماد على مبدأ ربط السبب بالمسبب ربطا مباشرا.

فجمود الإنتاج وانعدام مقومات الإبداع يكسب ماهو حاصل، أي المنتوج المتداول عبر عصور قيمة الديمومة. عندها تتحول العلاقة بين البضاعة والمستهلك من ناحية والبضاعة والمروّج من ناحية أخرى من علاقة إستهلاكية إلى عنصر هويّة، أي قيمة تلك البضاعة المتداولة في السوق وفي وعي المستهلك على حد سواء يكسبها الزمن طابع الحقيقة. وقد يكون طابع هذه البضاعة طابعا ثقافيا، سياسيا أو إجتماعيا. لذلك نجد عبيد اليوم يبكون بكاء مرا عند وفاة سيدهم رئيسا كان أو ملك. حتى إذا ما سألتهم عن سبب بكاءهم، ربطوا ذلك لا بخصاله المنعدمة أصلا، ولكن ردوا ذلك لأنهم لا يعرفون منذ ولادتهم سيدا سواه. فهذا مثال على عينة إستهلاكية من نوع آخر.

أما لو نظرنا الى هذه البضاعة في بعدها الثقافي،عندها ندرك أن خطرها يكون أشد وأنكى على المستهلك ومسوّق هذه البضاعة بوصف هذا الأخير منتج ومستهلك في الآن نفسه.

مثلما رأينا، فإن الزمن في الظروف الغير صحيّة يصبح هو الكفيل بديمومة الحركة البينيّة لبضاعة ما. وقد يتعقد بل يستحيل أن يطرأ تطوير على البضاعة المذكورة إذا حجبت وراء خصوصيات وهمية كانت أو حقيقية أحيانا، لتظل جامدة بجمود فعل حماتها الذين حرموها بذلك أن تنال حظ الحركة.

فبضاعة ما في معناها التسويقي أوالغذائي قد تفقد نفوذها في سوق ما، إذا جوبهت ببضاعة أخرى أيّ كان مصدرها، واتضح عدم جدوى الأولى غذائيا. عندها لا طائل للمستهلك والمروّج أن يستقويا بالتاريخ  ليكسبا بضاعتهما قيمة غذائية تفتقدها أصلا. لأنّ القيمة الغذائية في هذا الظرف الموضوعي هي تلك التي تحملها البضاعة حقا.

هنا يجد المستهلك والمروّج نفسيهما أمام الخيارات التالية، إما أن يستمرا في إسقاط قيمة وهمية على بضاعتهما تعسفا، فضّلا بذلك وأضلاّ، أو أن يراجعا نفسيهما علّهما هما سبب كساد بضاعتهما والعجز فيهما.

فبقدرما تحتاج الخطوة الثانية مؤهّلات علميّة وإخلاصا، يكفي السلوك الأول مؤهلات ظلّت الضامن لتعثر الحركة في إتجاه إدراك أسباب الإنقراض الثقافي الحاصل. الأمر الذي يوهم البعض من أتباع هذه الثقافة المتآكلة بأن ذلك ليس مجرّد تلفيق وترميم ب – ومن ثقافة الآخر في الحياة، بل  عائد الى وجود مقومات للمقاومة والبقاء داخل تلك الثقافة التى هي حصيلة تلفيقاته.  وقد يحدث ذلك مثلا حين يتمرس في الداخل المروّج المنتج للهويّة خلف ما “أبدعه“ من مقومات الهوية الناجحة على طريقته تلك حسب فهمه للأمور، وصدّقه في ذلك الأتباع مع مساندة نظرة الآخر الى ذلك عن حسن (تسامح ثقافي) أوسوء نية ـ  ،على كونه خصوصية ثقافية. وهكذا يستمر الحال على ما هو عليه إلى حين…

فهذا الآخر لايخفى عنه في الحقيقة أن تلك المزاعم من الداخل بالإتكاء على المحافظة على الخصوصية هو في حقيقته بعد عن الخصوصية الثقافية  وانفصام في الشخصية الإجتماعية، إذ أنهم يرون ذلك رأى العين، أنه لا أثر لتلك الخصوصية الثقافية إلا في الوهم. فهي غائبة  في كل مناحي الحياة، في الأكل والشرب واللبس ناهيك عن التدريس والتطبيب الخ. كما أن هذا الآخر يعلم كذلك أن الذي يغرد بذلك هو مجرد كسّاف هاو،أي أنه بنى لنفسه صرحا ثقافيا بالترقيع والتلفيق من ثقافة الآخر، عزاءه في ذلك،أنّه يوهم نفسه قبل إيهامه لغيره أنّه يفعل شيئا يكفل به لواقعه النجاة. النجاة من ذلك الآخر، أن أمن مكره بأن أمّن لثقافته على طريقته هذه الأسباب الحامية من مخاطر الغزو والطمس. وكفل بجهده هذا لنفسه ومن حامى حماه “العزّة” في الدنيا وثواب الآخرة.

 

كاطالوك” لتحرير المرأة

لقد جرّني الحديث، أيّها الحضور وأوشكت أن أنسى الإجابة عن سؤالكم، إن كان لدي أطفال آخرون عدى طفلي المعروفين لديكم أقول: لا!. ولكن، هلا أخبرتموني عن الدافع لسؤالكم هذا¬!”

أردنا أن نعرف إن كنت متزوجا بأكثر من إمرأة.”

“ليس بعد” هكذا كانت إجابتي التي إهتزّت لها القاعة ضحكا. هذا لا يعني أني أدخلت السرور على الحضور بإجابتي تلك. بل و كأني بلسان حالهم يقول : أوراق مكشوفة”. إذ أن مغزى السؤال، كان يتعلق بموضوع تعدد الزوجات، وهي “رذيلة” في نظر القانون. لذلك أردفت قائلا:” لعلكم، أيها الحضور تقصدون بذلك ما يشاع عن أن الإسلام هو الذي أصّل تعدد الزوجات، وقد ساعد على تكريس هذا الزعم تفاهة ماجاء به الممثلون للإسلام قبل غيرهم في شأن الآية التي أشارت إلى ذلك.

أما الحقيقة أيها الحضور، فهي أن الإسلام جاء على أنقاض تركيبة إجتماعية نجد لها اليوم نظيرا في المجتمعات الإستهلاكية. فالرجل آنذاك يكسب ماطاب له من النساء خماسى وسداسى وسباعى …فهذه ليحتسي خمرا من على سرتها وتلك….وأخرى…. الخ . ثم جاء الإسلام وحدد من ذلك.

لذلك أعتبرأن الإسلام حدد ولم يعدد الزوجات. وترك الإمكانية من باب الإستثناء، ناهيك عن القيودالمتعلقة بذلك.

أما أنا ولربما لأني فوق ذلك الإستثناء فإني أجد طيب العيش في واقع مجتمعكم، أين يمكنني أن أعاشر ما طاب لي من النساء، دون عناء الإحصاء وقيود المهر وأغلال أخرى, مجدّدا بذلك العهد مع أنعم الحياة في مرحلة ما قبل  الإسلام.

حين وطئت قدماي هذه الربوع كنت غير هذا الذي يحدثكم اليوم. فالسبيل الى المتاع المذكور كان عندي قد أوصد بحكم ثقافة إعتبرت التعري، وهو بلا شك أهم آليات الإستفزاز الجنسي أعني التسويق “الماركتنغ”، خاصية البهائم ، و الإستفزاز بأنواعه جريمة لا تغتفر، حتى تكبح بإجراءاتها هذه جماح الإستفزاز الجنسي وغيره .أما اليوم وحرصا منّي على  الإندماج فإني تركت ثقافة تعدد الزوجات وتبعاتها اللاحضارية و”اللاأخلاقية” وهذا ما ترونه، لأعدّد تعدّد الزوجات هنا ضمن علاقة، الضحية فيها هي تلك التي زعم حمايتها بمقاومة تعدّد الزوجات.

وقد عاضد مجهوداتكم في هذا الواقع المفعم بالحرص على “حرية” المرأة مجهودات بني جلدتي بالغالي والنّفيس على درب نشر هذه المشاريع في مجتمعات أين مازالت المرأة تتعفّف فيها أن ينالها ما نال المرأة هنا. فهي التي تحسّ بإيذائها إذا أحسّت بنظرة إستهلاكية من طرف الرجل تجاهها، خلافا لما هو سائد في واقع الحرية هنا أين لا ترى المرأة سبيلا لتحقيق ذاتها إلا من خلال نفوذها داخل ذلك السوق. لذلك تجدها لا تتوانى في استعراض مواقع قوّتها…

ففي خضّم حرصها على تحقيق ماهيتها على هذا النحو، كانت قد لانت لها كل الصعاب وانتفت بما في ذلك الحدود التي وضعتها العوامل الطبيعية، فاستوى الصيف عندها بالشتاء مهما إشتد التجمد الحراري فيه. بل لذكاء فيها تجدها تستثمر الشتاء على الوجه السليم، فخروج في يوم تجمدت فيه درجة الحرارة بما خف من الثياب في حد ذاتة مدعاة لمزيد لفت أنظار المستهلكين، أعني المعجبين.

هذا النشاط وهذه الحركية المتوقّدة لاتجد لها قبولا في ذهنية الكثير من المسلمات اللاتي يرين من خلال نظرتهن الإسلامية أن في ذلك تبضيعا وإيذاء لذواتهن قبل أن يكون في ذلك إستفزازا للرجل.

هذه صفحات كمدخل للكتاب

Facebook Comments
FacebookTwitterGmailLinkedIn