كوافد يومها من القيروان على تونس لقضاء امر ما وجاهل بخرائط انهجها و ازقتها وامام حرصي تحت ضغط الوقت ان اصل الى محطة الباساج في اسرع وقت طننت اني وجدت اقصر الثنابا حين عطفت يوما يسارا حذو مسجد صغير يدعى جامع الفل هذا ان لم تخني الذاكرة و في المحصلة وجدت ان الطريق قد افضى بي الى مكان قيل لي لاحقا ان اسمه  “عبد الله قش” . بقيت تلك الصورة لم تمح من ذاكرتي الى حين وجدت نفسي اعيد تجربة ادنى مهنا مع تفاوت الاهداف و ذلك بعد مرور ما زاد عن عقدين من الزمن. وهنا اروي لكم تفاصيلها.

المؤكد أن هناك الكثير يتساءل عن الأسباب التي تدفعني لإطلاق صيحات الفزع المتتالية والحال أن كل حزب بما لديهم فرحون إلا من رحم ربك في تونس. والكثير يظن خطأ أن هذه الصيحات مجرد إسقاطات على الواقع،او وراءها غايات منفعية شخصية. لذلك وجدتني مضطرا لذكر تجربة بعينها دفعا للشك و الغموض، بل للدقة أقول إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلدي تونس، إنها أسباب و دوافع وجودية وليست منفعية مادية، والحال أن مداخل التوظيف في الوظائف السامية كأستاذ جامعي في تونس هي تلك التي جاءت بديلا عن المؤهلات العلمية، لذلك كان عليك ان تظهر مع تقديم الملف قدرة على التذلل كدليل اعتراف لمن سبق ان دفع هذا الثمن ويسعى اليوم لاسترداده من موقع “المسهولية”.   .

صحيح قد يغرر  مشهد طقوس التوظيف هنا  بالمشاهد والمتابع البسيط حيث يوهم ذلك المشهد بأنه من حيث الشكل لا يشذ عما هو جار به في الجامعات الحقة. وهذا صحيح ، ولكن الأصح هو أن هناك فرقا بين الحقيقة ونسخ الحقيقة نسخا مشوها. هناك، نجد المؤهلات العلمية هي المحك فيما عدى أن توفرت هي، وخشي من حاملها “ضعف الولاء” لبلد الإقامة.وهذا تقبلته. أما هنا، فقد انتفت الحاجة لاعتماد المؤهلات العلمية، وحالة المستوى العلمي في الجامعة التونسية تغني اللبيب عن طرح السؤال عن الدليل. ولكن حضرت محاضرة من يخشى من مؤهلاته العلمية حتى لا ينفضح الحال، وبالتالي وجبت محاصرته احترازا من “ضعف ولائه” للمذاق العام، وكلامي هذا ليس استقراءا بل خبرت الواقع عن تجربة، حيث تقدمت بمطلب ترشحي كأستاذ في جامعة بتونس هي مضرب الأمثال في” رقي المستوى العلمي ” عند رواد الجامعة  التونسيين ، وهذا ما يعمق الذنب أكثر، لأن هذا التونسي يكشف بذلك أنه علق أمله في الداء ، فحل الداء عنده محل الدواء لأنه لم تتح له الفرصة أو لعله لم يسع ليخترق ظلمة الحال ولو بطرح  السؤال: إن كانت هذه الجامعة التونسية أو تلك مخبرا ومصنعا  للدواء بحق ، فما هي أسباب العلل الناهكة لجسم مجتمعنا؟ والحال أن الجامعة كانت دوما مصدر التـأمين عن الحياة لمكونات المجتمعات الصادقة مع نفسها. ولمن أراد التوسع في الموضوع فليقرأ بدءا مقالي المنشورين على هذه الصفحة تحت عنوان ” عودة الشرعية” و ” بدون عنوان”.

أذكر باسم الجامعة المشار إليها سلفا، فهي جامعة 9  أفريل ، ولكم أن تبحثوا عن مرتبتها في سلم ترتيب الجامعات الإفريقية ،فهي تذيل الترتيب هناك ، ناهيك إن كانت هذه الجامعة النموذجية في أعين الأكاديميين التونسيين مصنفة أصلا في الترتيب العالمي.

ولكن أصدقكم القول أني حين توجهت يوم 2012/07/05 وكان أول أيام رمضان إلى تلك الجامعة لمناقشة ملف ترشحي كانت تجرني خطواتي المخدرة لشعور أني متوجه إلى دار خنا على افتراض أني ذاك التقي الورع الذي يربو بنفسه عن تلك الفضاءات . وأصدقكم القول أنه ما لم يمح ببالي قراءتي في حسن سلوك رئيس اللجنة وقد جيء به من “الأبعاد” والحال أن تلك  المناسبات  تدعى إليها عصارة العصارة من نخبة الأساتذة لتقييم الأعمال ، لذلك لم يجرأ هو ومن معه على طرح أي سؤال ذي صبغة علمية باستثناء ما أقدمت عليه جرأة المرأة ، وهي الانثى الوحيدة في تشكيلة اللجنة بأن طرحت سؤالا يا ليتها ما طرحته . أما حكمة الذكور الباقين فقد اكتفى الجمع بتقييم  اللغة التي اعتمدتها في  كتابة سيرتي الذاتية بذريعة أنه بدون اللغة الفرنسية يستحال تدريس الفلسفة و هذه كذبة طبعا لا يبررها لهم الا غاياتهم العاكسة لمستوياتهم الاخلاقية قبل العلمية .وبديهي أن يحط كذلك من مؤهلاتي في اللغة العربية التي قدرت هي الأخرى من هؤلاء بالضعيفة، ولا تكفي لتدريس الفلسفة ناهيك عن تكويني في تخصص الفلسفة من جامعة النخبة الألمانية . ..

وأصدقكم القول كذلك أن حسن سلوك رئيس تلك اللجنة رأيت مبرراته  كذلك في تخفيه وراء شجيرات ليدخن سيجارته بمنأى عن الأنظار والحال أن ذلك اليوم كان أول أيام رمضان . وهذا مؤشر عن دماثة خلقه رغم أنه معه عذره حيث يجوز للنافس أن يفطر . أما أن يقال بأنه يقوم بما يقوم به على أساس قناعة إيديولوجية فإني لا أظن ذلك لأن القناعات لا تمارس فقط في الظلام ، وأما  أن يحال سلوكه هذا إلى ضعف إرادة رئيس اللجنة هذه على أن يقوى أمام إملاءات غرائزه فإني أطرح السؤال، إن كان هذا  السبب الأخلاقي هو عين الحقيقة فأنى للضعيف أن يصمد أمام الهدايا المغرية في تلك المناسبات، وما تأثير ذلك في أخذ القرار لصالح خمس عناصر ممن تقدموا من مجموع 20 مترشح ، كان من بينهم 10 مدرسين ثانوي و4 عاطلين عن العمل و 4 متعاقدين و 2 مساعدين، والمقياس ربما كان التجانس مع المذاق العام أو ربما فطنة في  استثمار مبالغ مالية كانت ستدفع إلى المهربين أصحاب قوارب الموت إلى إيطاليا، او ربما…. ومن ثمة فلا غرابة أن يستمر مستوى الطالب ووجوده في ” الجامعة ” مجرد أداة للارتزاق على هذه الشاكلة أو تلك . وما الحال في جامعة 9  أفريل “النموذجية “إلا عينة لبقية المؤسسات الجامعية التي يفترض أن تكون صمام الأمان على الحياة للمجتمعات. ولكن يبدو أنه قدر لها أن تستمر على هذا الحال مجرد أداة  للارتزاق على تنوعه ، وبديهي أن يحتكموا في ذلك في الحرص على تطهيرها من أتباع ” قوم يتطهرون ” فهل سيعيد التاريخ نفسه في جامعة الزيتونة و قد بلغت القلوب الحناحر لدى البعض ، فكانت البداية بتخفيظ الساعات، رغم ان الكل يعلم اني جئتها لانفق لا لاقبض. لاني كنت اغبط دوما “المرماجي” لانه يأكل مما ينتج فعلا على عكس مختلسي الرواتب بدون مقابل.

Facebook Comments
FacebookTwitterGmailLinkedIn