صوت انتخابي نهضوي يتحدث لماذا؟

عايشت في فترة من الفترات في بلد منفاي نقاشا حادا يبن النخب الفكرية الألمانية في مسعى من هؤلاء المفكرين لترشيد السلوك في المجتمع الألماني.أما محور هذا النقاش فقد كان ضبط الاستعمالات اللغوية للفضي “الافتخار”و”الفرحة”.حيث أن العوام حين يفرحوا بما لم يتربى في أرحامهم و يختمر في عقولهم لتصدقه أعمالهم ,أي بمعنى فرحهم بما ليس ملكا لهم فعلا يفضي بهم ذلك إلى الافتخار أو الاعتزاز المجاني بالذات المغذي للشعور المرضي بالفوقية,وأما عن مخاطر هذا الخلل السلوكي و مخاطره فحدث و لا حرج …

 

 

الحديث هنا ليس حصرا على مكونات العالم السفلي في النسيج الاجتماعي الألماني التي أحست و تحس بالرفعة على الغير لكونها ولدت من تركيبة جينية ألمانية!؟وهي- أي تلك مكونات العالم السفلي المذكور-لا جهد لها في مقومات دواعي فرحة الانتماء هذا، هذا إن وجد لهذا الميل ما يبرره أصلا. إن حديثي في هذا السياق هنا يعني سلوكيات المالك الحالي لحزب النهضة في تونس وهو العم راشد الذي يبدو أنه ينعم بقطف ثمار الانتماء على شاكلة من سلف ذكرهم. أو للدقة أقول صاحب يافطة النهضة على اعتبار أن ما يوضّفه العم راشد لنفسه و آل بيته و المؤلفة قلوبهم كمشروع نهضة هو ليس نتاجا لما سهر هؤلاء الليالي من اجله، بل هو ملك امة وقد اعتلاه الصدأ حين وضع اليوم في غير موضعه لوهن وضعف في الموظفين، لذلك وجب التعجيل بإنقاذه من هكذا استغلال و قد أضر به اشد الضرر.

قيل لي بعد عودتي إلى تونس بعد تحريرها أن هذا الرجل أصبح يضع شروط القوي على الضعيف لقبول اللقاءات و هو الذي كان قبل أيام يتوسل السبل إليها . وفي حال قبوله حضور لقاء ما كان لا يلتحق بالحضور إلا متأخرا!لماذا؟ الله و الراسخون في العلم يعلمون أسباب هذا السلوك و علاجه .

كما قيل لي أن الطقوس نفسها يتبعها “العم راشد” في حضور مهرجانات خطابية تنظم من قبل مريديه. يأتي” العم راشد” متأخرا ليقف الجالسون من مريديه مصفقين و مهللين. فكيف صنع” العم راشد” فجأة هذا المجد ليصبح سليمان في عرشه؟! .

في البداية خلت أن ما أسمعه من قصص هستيريا النجومية في شأن “العم راشد”مبالغا فيها رغم معرفتي بحاله عبر معاينتي له خلال عهد طويل في غربته.

وقد أحالني على التشكيك بما هو حاصل لحظات الغفلة، ذلك حين تتغافل عن ما هو كائن ممارسة بسبب التزام بالنظري ، اي ليس بما هو حاصل بل بما يجب أن يكون.هكذا يصعب على من هو سجين هذه اللحظة أن يجد رابطا بين صفة”شيخ”الذي هو”العم راشد”و”نجم” أو ساع للنجومية والحال أن “الشيخ” عدوا لذلك أو هكذا يفترض احتراما لهوية دينية معلنة، و عبادة السمعة رياء.

أما في فترات التحرر من”لحظة الغفلة “هذه فقد كنت أتابع سلوك”العم راشد”عبر “إنجازاته” خلال عقود إقامته في بلد المنفى وهي بلد الفعل و العمل لا الخداع بالقول -لعله غير المتعمد- و كان “العم راشد” في نظري متهما…لذلك لم أكن أصدق ما سمعته عنه من قصص التبجيل…

 

وفي مرحلة البين و بين,أي بين ما سمعته عنه من قصص حقا و بين صعوبة التصديق بها, بدأ يزداد في الخوف على مستقبل تونس- الذي هو وجودي- قبل الخوف على حاضرها,إذ عز علي التصديق بالاحتفاء بفشل السيد راشد الغنوشي – و هنا أعنيه سياسيا لا شخصيا- كرمز للنجاح .فهل دل هذا أن حال تونس و حال المحتفين بالسيد الغنوشي أكثر فشلا و هذا ما جعل الجماهير تصدق بالسيد الغنوشي كمخلص !؟ أم أن الأمر كله وهما متبادل, فالجماهير – وبصرف النظر عن دوره هو الإشهاري لشخصه- صدقت بأنه المخلص دون أن يعلم أنها نظرت إليه كذلك بعد أن أسقطت عليه صفة سفير الثقافة الإسلامية و مخلصها فأسقطت عليه نجاحات ومزايا الإسلام التاريخية اسقاطا.

 

 

أما “الشيخ” الذي عبر أكثر من مرة عن انبهاره بالإقبال الجماهير الذي فاق تقديراته و هو يقول الحقيقة دون أن يعي حيثياتها فهو لا يعلم أنه واهم لموهميه بما أوهموه به أيضا.

و كمتابع مستقل الفكر و الفعل لحركة “العم راشد” أعلم هذه الأسباب الحقيقية الدافعة لتجنيد الجماهير ضمن تنظيم هو في الحقيقة وهمي و ضبابيته ستحجب الرؤية حتما عن حقيقة مستقبل تونس .فهو وهمي المشاريع و الأمثلة سترد في هذا المقال,كما أن المقومات التنظيمية هي الأخرى وهمية وكل ما يغذي نجاح حملات التعبئة هي ليست وجود المشاريع و البرامج الضامنة لتنمية البلاد و العباد,بل هي رغبة من العامة في القطع مع اليتم الثقافي. وهذه الرغبة يغذيها غالبا سلوك عاطفي أو سيكولوجي جوهره الانتصار للهوية الدينية ” خوفا” أو ” طمعا” فهذا التجمهر هو إذن بالأساس حركة عاطفية و أثرها على الواقع سيكون عدم الديمومة إن لم يكن الاضطراب…فجوهر الرابطة بين التابع و المتبع ضمن علاقة “النهضة” بالجماهير هي أن التابع يمنح المتبع ثقته على أساس قيمة تاريخية “مبهمة” في وعيه و أوضح ما فيها إعلان هذه المجموعة قولا خدمتها للهوية الدينية و قد يغتر المتبع حين يستمر في تقديره الخاطئ لمجريات الأحداث كأن يعتبر التجمهر خلفه هو اعترافا واضح البراهين عند التابع جزاءا و فاقا للمتبع على ما قدم فعليا!

و لكي لا أقف عند قراءة نظرية لواقع يهدد مستقبل تونس على ضوء ما سلف ذكره أقدم في ما يلي عينة عما عشته فعليا مع التبع الضحايا في المهجر و قد علقوا آمالهم كغيرهم ممن لم يكتب لهم المنفى على من كان همه دوما المنابر و اغتصاب حق مفكر ودرجات الدكتوراه لنفسه ـ هكذا دأب المشايخ الزاهدين الصادقين ـ على حساب واجبه الحق حيث أن من أختار لنفسه قيادة الغير كرئيس حزب مثلا يكون فضاءه الحقيقي هو الميدان لا التلذذ بممارسة هواية التنظير و الوقوع فريسة المراهقة الفكرية.

أما عن العينية أو التجربة مع ضحايا سبق الإشارة إليهم فقد تبدو في ظاهرها ساذجة إلى تافهة و لكن قيمتها في تفاهتها و قد عجز أصحاب المبادئ على تنفيذها على بساطتها لتظل شاهدا على مؤهلاتهم. فكيف سيكون حال بلاد برمتها تحت قيادة هكذا مؤهلات!!!

غادرت تونس بدون رجعة في صائفة 1990 لتحط بي رحلة المنفى في ألمانيا و أعيش بعدها تجربتي الميدانية مع من احترت دائما في تصنيفهم على امتداد تواصلي معهم: أهم ضحايا “شخير النهضة” السياسي و التي تتجلى ملامحه خاصة في أتباع النهضة ” الأوفياء” أي آل بيت عم راشد و المؤلفة قلوبهم لا في الأغلبية التي وجدت نفسها في النهضة بسبب تقاطع المسارات.

فحقيقة هؤلاء رواد شخير النهضة هي أنهم ليسوا ظواهر صوتية فحسب بل قردة سطوح مستثمرين للفرص. ظواهر صوتية تارة باسم”التنظير” و غالبا بسبب الشغف بالبحث عن الأخبار و تدوينها كغاية في حد ذاتها و لكن عواقب هذا الصنيع لم تصب الذين ظلموا خاصة فجاءت بالبلوى على المجتمع. كان ذلك سواء في الداخل حين جوبهت ممارستهم بالسلوك العملي الميداني في وجهه القبيح المتمثل في سلوك عناصر العصابة التي كانت متحكمة في تونس , أو بتبعات مجابهته بالسلوك الميداني في وجهه المنير أين يأتي العمل بحجم الكلام و هذا دأب المجتمعات التي أقامت فيها قيادة “نهضاويون” جسدا خوارا فكانت العاقبة تشرد و تشرذم في الداخل و الخارج على حد السواء.

و هذا هو المآل الطبيعي لسلوك الأفراد أو الجماعات حين ينعدم فيه التلازم بين العقل المبدع و الفعل المنتج . ولأني ذكرت خواتم هذه الأعمال فلعله من الضروري التطرق إلى عينات سلوكية منها كانت مؤذنة بفشل المسعى من بداية المسار لكن هذا حجبته عن بصيرة “المنظر” نرجسيته المتولدة عن انبهار التبع بشخصيته و لا غرابة في ذلك حيث أنه مصدر معارف و الإلهام عندهم و لذلك هم على ما هم عليه طالما استمروا لا يتكلمون الا بلسانه ولا يفكرون الا بـ “فكره”.

العينة الأولى كانت مسرح أحداثها نشاط نقابي طلابي. و كغيري من محبي الخير لبلادهم كنت أتحين فرصة العمل لصالح الصالح العام أبدد من خلاله خوفا على مصير البلاد.

يومها لم أكن أعي بالدقة الكافية اليافطات السياسية التي يسقطها هواة ممارسة السياسة في تونس على أنفسهم يسار/ يمين…الخ و هذا في الحقيقة كان الدليل القاطع على خساسة و تفاهة مستوي الفكر السياسي عند هؤلاء. و هذا الحكم ليس شأن الفلاسفة أو أهل الفكر خاصة. بل أن كل إنسان قادر على فك رموز الأحرف بإمكانه أن يعود إلى النشأة التاريخية لمفاهيم كهذه ليعلم مدى تحريف الكلم عن مواضعه ذلك حين تنطق ألسنة نخبة تونس السياسية بالسياسة. وبديهي أن يضطرب العقل كلما اختل المفهوم أما عن حالهم اليوم و قد ولغوا في ثمار ثورة أفرزتها عفوية شعب ليس بأقل من حالهم بالأمس. هذا ما تعكسه آليتهم المعتمدة في مناوراتهم السياسية ألا وهي “الخداع” و هم مخادعون على افتراض أنهم يعلمون أنهم أعجز من أن يكون أهلا لتحقيق أمال و مستحقات الثوار ورغم ذلك استمروا في وفاءهم للخطاب المخادع. أما أن يجهل هذا أو ذاك مدى عجزه, هنا كانت المصيبة أعظم.

خطابا قاده من كانت عقولهم أجداث نخل خاوية فمالوا كل الميل إلى دغدغة المشاعر و كان هذا دافعا كافيا لتعبئة الجماهير, و هو الدافع نفسه الذي دفعني أنا الأخر قبل سنين طويلة المساهمة من موقعي في نحت هيكل يعرف اليوم باسم اداري ” النهضة” بعد الخصخصة. كما غذي هذا التدافع الجماهيري خلف النهضة الماضي السياسي المظلم لمن يلقبوا أنفسهم باليساري أو العلماني أين كانوا أداة تشرع لعصابة الحكم على تونس أعمالها في الداخل و مجلية لجوائز حقوق الإنسان و شهادات الدكتوراه الفخرية لرمز الاستبداد بتونس. و بين هذا و ذاك فهم سماسرة بالمقوم الوحيد المتبقي للشعب التونسي ألآ و هو هويته الثقافية .وفقا لذلك أعاد التاريخ نفسه في تونس اليوم. و هي مقولة – أي التاريخ يعيد نفسه- اشتهر بها فيلسوف ألماني لم أجد يوما على امتداد ما زاد عن عقد من الزمن في البحوث الفلسفية من يجرأ على تأييدها بالدليل في المجتمعات الحية بعطاء نخبها لأعود لبلدي أين تجمدت حركة التاريخ فأصبحت أبحث عن مخرج من فائض المؤيدات اللغوية المذكورة. أعاد التاريخ نفسه بأن عاد شخير “النهضة” بخطاب لا يتعدى حناجر أصحابه و هذا لا يهم طالما أن القيم الموظفة من هؤلاء ـ و هي ما سينتخبها أولئك الناخبون ـ هي السبيل للنجاح و الغاية تبررالوسيلة !؟

تنتخب عناصر هذه المجموعة على افتراض أنها لا تقول إلا ما تفعل في قيم هي في الحقيقة موظفة فقط – و هذا في أحسن حالاتها- ينتخبها الناخب على أساس أن أفعالها تسبق أقوالها لأن العكس دأب المنافقين … و لكن قد تتاح لهم الفرصة ليفعلوا فعلا بين مجرد التوظيف للقيم و التجانس أو التماهي الحق مع القيمة و من ثم يقطعوا من صدقت نواياهم من عناصر النهضة مع الدجل الخفي عند من سواهم .

سيحصل هذا مثلا حين يقفوا على أمثلة لا كدليل على مدى خطورة مسعاهم على مسار التنمية الشاملة للبلاد فحسب, بل هو كذلك على الانحلال الأخلاقي في الممارس السياسي ضمن العلاقات البينية, أي داخل المجموعة نفسها.

فهذه الجماهير التي انتخبت “النهضة” انتخبت من انتخبت على أساس أنها انتخبت قيما إسلامية تجرم تزوير الإرادات مثلما تجرم الخداع بالقول… فماذا لو علمت أن تزوير الانتخابات داخل المجموعة ذاتها ليس بالحالات العرضية و إن مقاييس الانتخابات سجينة عقلية قبلية ـ بيد شيخ القبيلة ـ طالما ان مقاليد تسيير أمرها بيد “شيخها” و “نجاحاته” على الميدان التي تنشد من يجد لها أثرا على أرض الفعل لا في سوق سماسرة الكلام.

و لأن لي فهمي الخاص لمعنى السرقة حيث أنها أوسع من أن ينظر إليها مجرد إدخال السارق يده في جيب ضحيته, بل هي أوسع من ذلك حيث أن الضحية هنا قد يكون ناخبا في انتخابات داخل “التنظيم” أو خارجه أي بمعنى موجز أن السرقة في إحدى أوجهها الخفية هي إساءة التصرف في الثقة الممنوحة أو المهدآت بما في ذلك الثقة ذات المذاق السياسي…

حين عاينت في المهجر – كمراقب- السلوكيات داخل “التنظيم” آثرت التطهر و البقاء على مسافة دون القطيعة التامة و هذا ساعدني على أن لا أقف موقفا سلبيا تجاه الأفواج اللاحقة من الفارين من تونس إلى ألمانيا طلبا للجوء السياسي بعد أن لوحقوا بتهمة الانتماء لحركة ظاهرة النهضة وجوهرها الخمول والدجل على الذات و الآخر في آن , والعبرة ليست لمقاصد الأفعال بل بنتائجها.

هنا تكشفت لي خفايا أخرى عن حقيقة المشروع “النهضوي” السياسي من خلال حال ضحاياه ـ هكذا وصف الكثير منهم أنفسهم يومها أما اليوم وهو زمن تقسيم الغنائم فقد فقد هذا الشعور مفعوله.

كنت أنتظر من برنامج نطق واضعيه بأنه أعد و يعد على أن يفهم متلقوه -وما هؤلاء الفاروّن إلا جزء من المنظومة – ماهيتهم على ضوء العمل الفعلي الدءوب كونهم رهبان بالليل ركبان بالنهار. ولأنّ الرهبنة ليست شأني بل هي في المحصلة شأن خاص كنت ومن منطلق هذا التصور شديد الحرص على أداء حقهم الإنساني علي في ما يتعلق بالخدمات الاجتماعية إلى حين أن يشتد عودهم ويصبحوا ركبانا في بلد الهجرة ويشنوها” معركة وجود”بالعمل و العمل وحده وهذا ليس بعزيز- أو هكذا يفترض-على برنامج شيخ تلمذ أتباعه على لي الألسن في القول….

مرت الشهور و السنوات في حضرة”الشيخ” الذي لم يبخل على فوج الفارين طلبا للجوء السياسي بزياراته المكوكية دون أن أرى أو أسمع شيئا مما أعلن سابقا قبل الفرار في المهرجانات الخطابية كمشاريع حزبية،و أخشى أن يستعيض اليوم”الشيخ” المسئول عما ضاع بسجدتي سهو ولن يفعل حيث أنه مستمر على ديدنه.أما التبع فلم أجرأ يوما على النظر إليهم كخائني أماناتهم لا لما لمسته فيهم من “طيبة” فحسب بل لأنهم و غيرهم كثر وكثروا اليوم خاصة ضحايا مشروع وهمي تزعمه من كان يتردد عليهم في بلد المنفى … وتقاسم الجمع الفشل، “فوليدك على ما تربيه”. فشل الكل في استيعاب برامج تقيهم و أهليهم في أرض الغربة و تجعل منهم عونا لغيرهم من الضحايا ممن أودعوا السجون مثلا فجوعت أبناءهم وأكرهت هذه أو تلك على البغاء… ولعل أرفع الأعمال التي أذكر بها فوج المهاجرين هنا هي اجتماعاتهم على مأدبة”الكسيكسي”.

دفعني الأمل على أن يبرق يوما من رماد لهيب أن عاودت المغامرة بأن عاودت الكرة على استحياء في تقديم ما هو عملي و كآخر اختبار و كنت على”يقين” هذه المرة من أن يقوى” فوج المهاجرين” على تنزيل المقترح العملي منزلة التنفيذ لبساطته و قد قلت فيه سابقا انها عينة تبدو في ظاهرها ساذجة إلى تافهة و لكن قيمتها في تفاهتها و قد عجز أصحاب المبادئ على تنفيذها سيما أنها اختبار لمؤهلاتهم وان كانت في الظروف الطبيعية لا ترقى لمستوى قدرات أصحاب “هم” سياسي و مشروع قيام دولة وهذا ما كنت أفترضه.فهذا المقترح كان مستمد من نمط حياتي سابقا مع زملائي في الشغل في بلدي الأم ذلك قبل مغادرتها إلى أرض المنفى أين التحقت بالجامعة لأدرس وأطلع عما عمق “غربتي في غربتي” .

لقد اقترحت على أتباع الشيخ- بغض النظر عن طبيعة الأتباع هذا إن كان مقصودا أو أفضل من ذلك كأن حدث ذلك عرضيا – و خلافا لما اعتادوا عليه من دأب الشيخ في زياراته المكوكية لهم- و هذا ليس إطلاعا للغيب بل استقراء للواقع – أن يجتمعوا على اقتناء متطلبات حياتهم ككم لا نوعا(مواد غذائية,خضار,غلال) من محل معين يؤسس بغرض الاستفادة من المرابيح لصالح المتضررين من تبعات مشاريع”العم راشد” في تونس سيما أن أتباع “العم الراشد” في المهجر هم دافعوا هذه المرابيح إلى الغير و أقصى ما كان مرجوا منهم هو أن يحولوا مآلات مرابيح مقتنياتهم الحياتية الضرورية ناهيك عن الكمالية منها إلى هدف خادم لمصلحة عامة.

قد تبدوا هذه الحجة علي لا لي صالحي ذلك عند من صدق مشاريع “عم راشد” القولية. و هي في اعين البعض لا تقاس بتجربة بسيطة إلى تافهة كهذه حيث الأصل أن سيروا على قدر أقوياكم وهي بلا شك كذلك إذا نظرنا إلى سهولة تنزيل فكرة “حانوت العطرية” هذه في مواطن إقامة “العم راشد”و أتباعه في أوروبا منزلة التنفيذ، ولكنها ليست كذلك إذا نظرنا إلى عجزهم على تنفيذها في عائدات”حوانيت العطرية” هذه في أوروبا حيث أنها كانت ستدر على المتضررين في الداخل على امتداد عقود إقامة “العم راشد” وأتباعه المليارات من المليمات. كما أنها كانت ستؤمن للقيادي المتفرغ “للعمل الإسلامي”مصدر دخل كريم بدل العيش على الصدقات و إن تشعبت التسميات و الصفات .و أنا إذا أذكر هذه العينة البسيطة على تضارب القول و الفعل عند “العم راشد”و انعكاس ذلك على الفعل و تعطل العطاء عند أتباعه فهذا لا يعني تحميله أكثر من وسعه ,بل هي دعوة إليه أن يقف هو عند وسعه و يكون مسؤولا في ما يقول و إلا استمرت أقواله فالتة من عقالها و كانت نتائجها اليوم أشد و أنكى على أمة”شعب” برمتها و الرمي بها إلى العدم بعدما اكتوى بلظاها بالأمس آلاف فقط و الحال أنه يتلذذ اليوم بصفة رجل دولة ، فالهجرة إلى” يثرب”هذه المرة أقامت الدليل العكسي لكل من ألقى السمع حيث أن النجاحات ليست بالتمني أو بحسن النوايا ـ هذا لو وجدت أصلا ـ على حساب العمل – هذا إن توفر حسنها- بل بالعمل على أساس الغاية (النية) .لذلك تحللت التشكيلات الوهمية .

أما خشيتي اليوم هي أن تؤول تونس برمتها إلى التفكك و الضياع وإن اجتهد”العم راشد” في التخلي عن قناعاته المعلنة في السنوات الخوالي عله يضمن لتونس استمرارية”المساعدات “التي كانت قائمة عليها دولة في حكم عهد عصابة كانت تدفع لها تلك المساعدات في شكل ” إتفاقيات” وهذا ما لا يقوى على تنفيذه “العم راشد” ومن تشكل على شاكلته مهما جنح”للواقع” .

وعلى افتراض أن الله قد أرسل طائف على “العم راشد” وتلامذته المقربين وهم كالعادة نائمين فحولهم طاقات و قادة فاعلين ، و على أمل أن تستمر عليهم هذه الهبة الربانية المفترضة و دون التأكيد أنه من لا يصنع ذاته بذاته لا يمكن بحال أن يجد معه الدفع من الخارج ما إن لم يغير هو بنفسه ,نتساءل كيف سيصنع “العم راشد” مستقبل تونس . هذا ما أحالني على البرنامج الانتخابي لحركة نهضة عم راشد وقد تقاسم مع غيره من البرامج الانتخابية الخلط بين برنامج تشريعي دستوري وبين ما هو سياسي خالص .ربما هذا ما اسقط الحرج على هذا البرنامج “النهضوي” , فالبلوى حينما تعم تصبح هي الأصل و مقاوميها هم الإستثناء و لعل هذا هو قدري، فأينما حللت خاصة في هذه الأيام وأنا أتنقل في أركان الجامعة التونسية و قد تأكدت لي أنه إن كانت الحياة خارجها في تونس مسلخة ففي الجامعة التونسية تربى الأضاحي، و لذلك تمنيت أن أجد لمآسيها أثر في تلك البرامج الانتخابية الشاذة عن المسار الحقيقي أصلا . ودون الخوض في أحوال هذه الجامعة حيث ليس هذا مجاله أكتفي بالوصف الموجز و أقول هي قد ذكرتني بمسارح روما .أما المتلذذ نقله هنا فهو رأس مال تونس الحقيقي وثروتها “الطبيعية”الوحيدة الذي هو العلم. هذا كي لا أقول الطالب .حيث أن الطالب قد غيبته جريمة الأستاذ وقد منحه درجة النجاح و تقدير حسن جدا كيف ما شاء و هو قد يكون أعجز من أن يكون جملة مفيدة لغة و محتوى تفيد على لسانه بفحوى تخصصه .

كان تنقلي بين أسطر برنامج “النهضة” الانتخابي قد ذكرني بتنقلي بين أركان الجامعة. برنامج كان قد حمل بين دفتيه عبارات بأحرف غليظة غلظة جدران الجامعة التونسية وقد قضت على طلبة أن يعيشوا بعقول خاوية كخواء فؤاد أم موسى وليتهم كذلك و مستقبل لا مستقبل له.

جميل أن أجد في برنامج صاحب حركة النهضة اليوم أن تونس دولة و طابعها مدني وهذا يكون قد أسكت عويل هواة العلمنة و التدين على حد السواء وقد صموا به الآذان ,لكن وددت أن أعلم معنى الدولة عند واضع هذا البرنامج وكيف أسقطه على تونس.

أما عن دعوة هذا البرنامج الانتخابي للإسلام كدين للدولة فقط ففهمناها. لكن ما لم يتضح بعد هو ماهية هذا الإسلام عند واضعي هذا البرنامج الانتخابي .أهو كقوة روحها المسؤولية عما يقوله المرء و يفعل وإن كان ذلك كذلك فبأي ديانة كان واضعي هذا البرنامج يدينون حين تواجدهم في أوروبا و قد فتحت لهم أبواب الفعل و العطاء ليقدم النموذج الفعلي لما طالما لاكته ألسنهم ! أم العبرة في المزايدات الكلامية ؟ أم أن الدين في حياة هؤلاء هو رهبانية و ابتدعوها و ليتهم كانوا على ذلك من الفاعلين و يبقى التوشيح الكلامي من باب “الماركتنغ”السياسي وهو بالمناسبة ما تبغضه الرهبنة كذلك.

نترك هذه الأسئلة تبحث عن من قد يدب فيه يوما حس المسؤولية فيقدم إجابة نقية مما شاب أجوبة نسمعها اليوم,شرعتها المراوغة و الخداع لنمر إلى دعوة واضعي هذا البرنامج إلى القطع النهائي مع منظومة الاستبداد و الفساد و”تجسيد مبادئ الثورة”. ولأني أجزم من أن واضعي هذا البرنامج ليسوا من أولئك الذين رفع عنهم القلم أتساءل إذ كيف لفاقد الشيء أن يعطيه ! أو لعل مبادئ الثورة تنحصر عندهم في عدم الزج في السجن بمن سوغت له نفسه أن قال رأيا مبررا .وعلى افتراض أن هذا الفهم المفترض هو عين الحقيقة أحمل نفسي عبئ توسيع أفق فهم الاستبداد لمن سجن معانيه في حدود ما اكتوى به هو مباشرة خلال تجربة شخصية وأقول أن الاستبداد هو رديف التعسف و لعل أبشع أنماط الاستبداد أو التعسف هو ذاك التي ينطق به حال المتعسف على نفسه بالدرجة الأولى .و هذه النفس قد تكون فردية أو جماعية .كأن تجتمع مجموعة على مجرد شعور الإصلاح باسم الإصلاح حتى ما إن وقفت أمام حقيقة مكوناتها و قدراتها كفاقدي الحيلة شرع لهم شعور” حسن النية” بتوخي أدوات الاستبداد. فالتعسف و العنف أي كان نوعه وهو لقيط الضعف لا منتوج القدرة و المقتدرين .

لا أريد أن أقف هنا عند إماطة اللثام عن التناقض الصارخ و أسبابه بالتفصيل فيما تعلق بعلاقة البند الأول مع البند الثالث من برنامج “النهضة” الانتخابي لأني – وإن لم أكن من مطلعي الغيب – أعلم أن هذه الحسابات قائمة على مبدأ الكم لا القيمة ,بمعنى أن فيها مراهنة على أن الشعب في حال الانتخابات سينتخب بالنهضة – لا النهضة – خدمة الهوية التاريخية للبلاد .فالعيب ليس في ابتذال هذا “التكتيك”في حد ذاته ,بل الخطر كل الخطر في مآلات هذا”التكتيك” الذي كان متبعا دائما خلال الخيارات السياسية عبر تاريخ الإسلام .و لان مصدر أفعال متبعي هذا “التكتيك”هي عواطفهم ومدى ديمومة الأفعال القائمة على العواطف هي آنية إلى قصيرة الأمد ,فهذا مالهم يسمح للقدامى أن تكون لهم نظرة تخترق الحاضر إلى المستقبل البعيد . و الأمر نفسه ينسحب على الخلفة السياسية لهؤلاء بأن أعاقهم السبب نفسه على قراءة التاريخ السياسي و يستمدوا من المحصلة تخطيط المستقبل السليم . فالتعويل على العاطفة الإسلامية كان دوما ملاذا لكسب الشرعية السياسية و إن اختلفت الآليات . و حين نلقي نظرة في التاريخ الإسلامي السياسي باحثين عن أسباب الفشل و التفكك السياسي فسوف لن نجد منافسة خارجية –هي كإديولوجيا أو دين معاد- هي التي أفضت إلى هذا التفكك .بل أن التوظيف السياسي للعاطفة –بصرف النظر إن حدث ذلك عمدا أو جهلا بعواقب الأمور- كان هو السبب الرئيسي في تقويض”الدولة الإسلامية” .

القول بالاختلاف و التداول السلمي على السلطة كان هو الآخر ملفتا في برنامج النهضة الانتخابي . ملفتا بما حل به من تقليص على قدر قدرات واضعي هذا البرنامج ,ذلك حين ضبط في حدود الممارس سياسيا و هو حدود آفاق تجارب المعنيين .فماذا لو نهقت ناهقة قالت صاحبته ب”لا سيدي و لا الله” فأصبحت في محور الأعلام- و هذا مسعاها و مبتغاها- بعد أن كانت مقبورة نكرة إلا بين مثيلاتها اللاتي يتم تداولهن في سوق المتعة … والتمقش بهن باسم الحداثة و هن وهم أتفه من أن يكن و يكونوا سفراء لها حتى و إن كان ذلك في صحراء جرداء ثقافة و فكرا كحال واقع حراك فكري هن و هم رائداته و رائدوه . فهل يندرج هذا في حرية الرأي أم حرية الفكر؟ أم الأجدى أن نلتزم بقاعدة فلسفية :أنه ما لا يمكن الاستدلال عليه و جب الصمت عنه و من تجاوز هذه القاعدة لا يعاقب بل يحال إلى برنامج تأهيلي حتى نجنب المجتمع المهاترات باسم الفكر و قد أضاعت ماضيه و تنذر بضياع المستقبل كذلك سيما أن هذا “التصابي الفكري” سمة الواقع الفكري الحالي في تونس . فمن يعنف نفسه عبر تعنيفه للأفكار يسهل عليه تعنيف غيره .

دون الحاجة إلى التطرق بالتفصيل إلى باقي بنود برنامج “النهضة الإنتخابي” أكتفي بالسؤال عن معنى العنف في هكذا برنامج ، و القانون “عنف” و أقول أنى للعنف أن ينبذ و هو يمارس في حق النفس بالتعسف عليها على عجزها قبل الآخر, و من لم يرى في نفسه إلا و لا ذمة فأنى له أن يقدر تبعات صنعه هذا على الواقع برمته . أما أولئك الذين ذهبوا في فهمهم لمعنى العنف في حدود العنف المادي ونعتوا بذلك “النهضة” كتنظيم انطلاقا مما أقدم عليه ثلاث شبان في أماكن متفرقة في البلاد فإني أنصح هؤلاء أن يبحثوا على ما هو مقنع كقناع لهم في ممارستهم التخريبية حيث أن ممارسة العنف –هو بصرف النظر إليه من منظور قيمي- هو الآخر يشترط قدرات …. و هنا أجد نفسي أمام سؤالين :أولاهم حيرني مثلما قد يحير غيري إذ كيف سمحت”العم راشد” قناعاته الأخلاقية أن يتزعم من سوقوا أنفسهم كبديل منقذ للبلاد و هو الذي تجلت محدودية قدراته في عطاء أتباعه ,و لنا في مثال”حانوت العطرية” عبرة يا أولي الألباب .مثال أغناني عن التطرق إلى تقسيم قدرات”العم راشد” على ضوء مشاريع جسام ينتظرها تأسيس تونس من العدم ,و الحال انه كلما تعقدت شروط نهضة تنموية ,استوجب ذلك قدرات استثنائية .كأن تجد نفسك يوما ما أمام مجموعة من الطلاب عاجزين حتى على التعاطي مع اللغات من اجل تكرار المجتر ناهيك عن الإبداع و قد تجد من بينهم من منح درجة الامتياز في تخطي سنوات الجامعية الماضية . فمن أراد أن ينهض بمستوى مجتمع كهذا لا يكتفي بالبحث عن من يسد الثغرات ,بل أن مهمة كهذه لا تغطيها إلا طاقات استثنائية علها تخرج من هو غارق في جوف مستنقع إلى سطح الماء .

وتونس اليوم كي تأمل في البقاء على قيد الحياة لا تكتفي بقدرات سياسية كتلك الألمانية أو الإسكندنافية مثلا حتى تطفو على السطح لان تلك القدرات السياسية تسييس في ظروف سياسية طبيعية لا استثنائية كحال تونس اليوم ….إني أرى تونس تنهار!

أما السؤال الثاني الذي أجد نفسي أمامه هو سؤال القارئ لمقالي وقد علم أني من أولئك الذين انتخبوا النهضة فحيره أمري إن كان بي جنة ؟!

لهذا القارئ أقول أني أقدمت على منح صوتي لمجموعة النهضة لان هؤلاء ميزتهم المرحلة و إن تقاسموا الخواء في القدرات مع غيرهم من الألوان السياسية في تونس و هم بذلك كغيرهم ليسوا أهلا ليصدق بهم ذو بصيرة كقوى نهضوية تنموية لبلد لم ينعم بحقه في التنمية لدهر من الزمن تجاوز عقود الاستعمار المباشر إلى عهود ربائبه . فمستقبل تونس لا يقرأ اليوم على ضوء خزاناتها حيث أنه ليس خزائنها المالية هي وحدها الفارغة . و لأن الانتخابات هي بالأساس تهدف إلى وضع التشريعات التي من شأنها أن تلجم بقوة القانون خلفه من بنو لهم مجدا بالسمسرة بمقدرات البلاد و تقلم مخالب نسور السرقة على تنوعها أوجد ذلك مبررا لي بالفعل أنه لا نهضة انتخابية بدون “النهضة” ولكن الأهم و الأخطر هو أن هذا الخيار الانتخابي للنهضة يرمي بالبلاد في فراغ لا خلاص منه ما لم تتخذ الإجراءات الحمائية قبل انقضاء مدة العمل التأسيسي .

“فالنهضة” و دون الحاجة إلى التذكير بعدم أهليتها – و هي ليست أسوأ من غيرها- لقيادة المرحلة تعيش الآن نشوة المخمور . هي قد لا تعلم أنه قد تم الانتخاب بها لا انتخابها . و في حال استمرار تسليم مقاليد الأمور إلى سلوكيات أهم عناصرها “النهضويون الهوليوديون ” فستكون النتيجة مأساوية كما كانت سلوكيات تلك النجوم دوما , و لكن المضرة هذه المرة سوف لن تبق و لن تذر…

و إني كل ما أخشاه أن تكون النهضة قد بنيت مشاريعها لتنمية البلاد على “مبدأ” “صندوق 26/26 ” لكن هذه المرة بـ:بسم الله الرحمان الرحيم . فالتنمية لا تحصل بأن “تبدل شاشية هذا بشاشية هذا” و التفاصيل متروكة للمستقبل .

 

إذا كان هذا حال تونس في ظل “النهضة” و هي على ما هي عليه العمشة في دار العميان فما الحل اذن؟

أمام عقم ارحام تونس اليوم ان تلد البديل الحقيقي من حيث الكم ، يبقى البديل للبديل هو ان تحل النهضة محل “النهضة”.

ملاحظة: لم اقدم على نشر هذا المقال رغم انه قد مرت عليه السنون خشية ان يقرأ خطأ فيتحول الى خدمة اكداس المعارضة، أي ” جماعة تلعب و الا انحرّم” و هذا اقصى ما يملكون فتكون الطامة اكبر.

 

 

Facebook Comments
FacebookTwitterGmailLinkedIn