أهي للمنتقبات أم للمومسات

 

كخريج لأشهر الجامعات الألمانية و باحث فيها لا يمكنني أن أتصور الجامعة حين تكون هي كذلك إلا بمثابة قِدْر، و هذا في أزهد الحالات. و القِدر على بساطته فهو الضامن للاستمرار  البيفيزيولوجي للكائن البشري. فبغليانه تنضج الأطعمة التي تغذي الأبدان البشرية ما إن روعيت فيها الشروط الصحية و المهارات الفنية و إلا لتعرضنا لعملية طهي عاقبتها التسمم أو طهي كاذب كذاك الذي قصته علينا قصة “طباخة الحصى”. و هي قصة تروي حالة امرأة فقيرة لم تجد ما تطعم به أطفالها في إحدى ليالي شتاء قارس، فطفقت توهم أبناءها أنها تعد لهم العشاء ذلك بعد أن وضعت قدرا على النار كان قد خلا من كل شئ إلا من القليل من الماء… إلى أن غالب أبناءها الكرى.

 

و شتان أن نقارن الطبخة الوهمية لهذه الفقيرة ،الغير منفصمة عن ذاتها لكونها فعلت ما فعلت و هي تعلم أنها ضحية فقر بطبخة الفقر الحقيقي التي تنعم بها نخبة الجامعة في تونس.و إحدى أوجه  ذلك النعيم هو أن هذه النخبة جعلت من الجامعة مرتعا لنزواتها و قِدْرا لطبختها بعد أن فوتت لهم فيها حثالة تحكمت في رقاب التونسيين في مرحلة ما قبل 14جانفي 2011، و ذلك على سبيل المقايضة مقابل خدمات رخيصة تعكس انشغالات تلك النخبة اليوم، و هي تكشف بجلاء عن يتمهم الثقافي و فقرهم المعرفي الذي صحروا به البلاد وحاضر العباد… و بديهي أن لا تجد هذه النخبة ما تقدمه للمجتمع حصيلة عطالتها المعرفية فنظرت ثم قدرت…ثم عبست وبسرت… ُثم أدبرت واستحمرت و قالت أن النقاب سحر يؤثر.بهذه الطبخة راهنت على ستر سوءاتها عبر إشغال الناس بحكاية النقاب و المنتقبات. و من المفارقات أن يكون هذا الموضوع هو أول ما استقبلني به المخاض الفكري و الإبداع المعرفي لهذه النخب عند عودتي إلى تونس من ألمانيا بدعوة من مؤسسة جامعية لغرض التدريس فيها. و قدري أني أفرق جيدا بين التدريس و التدنيس في الجامعة لذلك قررت بعد ثلاث أشهر و أربع أيام مغادرة الجامعة لما شاهدته من جرائم،مواصلا المقاومة لأعمال العصابات و جرائمها المنظمة في حق الطلبة واستنزاف ثروات الشعب الذي ليس بإمكانه الإطلاع على ما يدور هناك إلا في ما تعلق بالنقاب و ما شابهه.

غادرت هذه المؤسسة الجامعية و ما بقي عالقا بذهني هو تجند مدير هذه المؤسسة الذي أكن له كل مشاعر الرأفة و العطف وقد نذر ذاته هو ومن شكّلوه على شاكلتهم لمقاومة النقا ب ربما لانه عطل  استمرارية  “مسيرة” عقود سادت فيها معسكرات الخساسة بإسم الحداثة الجامعة حتى تدنى  حالها الى ما دون مستوى جامعات الصومال و اوغندا و اثيوبيا

لمجرد أن وطئت قدماي المؤسسة التي يديرها الناذر نفسه مع الناذرين لإقصاء النقاب ذعرت لأمور عدة ليس أولها حالة البناية لأنها كانت القبر من الناحية المعمارية أيضا و مع هذا يدفع لصاحبها معلوم كراء تراوح بين 347 مليونا و 447 مليونا ،وعن القابض الحقيقي لهذه الملايين من أموال المحرومين فلا تسأل.

و أمر كهذا على خطورته و أهميته لم يكن له الأسبقية عندي مقارنة بأحوال الطلبة و انهيار مستواهم، لذلك كنت منشغلا بالبحث عن مقر بجوار تلك المؤسسة الجامعية لتأجيره على نفقتي الخاصة علني أمكن طلبة التخرج من تكوين تداركي ،و الحال أنه لم يكن يفصلهم على امتحان التخرج في شعبتي لغة الاقتصاد الألماني و التجارة الدولية و مغادرة الجامعة إلى سوق الشغل إلا أسابيع معدودات،و هم لم تكن لهم القدرة على تكوين جملة مفيدة في هذه اللغة، و الحال نفسه ينسحب على التجارة الدولية التي هي المكون الثاني لتخصصهم حيث أنه لم يوضع أمامهم على امتداد كل سنوات الدراسة حتى مجرد تعريف لمعنى التجارة الدولية. مع هذا تخرج أسلافهم و أخلافهم على نفس الحالة كخبراء في التخصصات سالفة الذكر، حالهم حال قرنائهم في معظم التخصصات في الجامعة التونسية.أما الشيخ الوزير منصف بن سالم فيبدو أن هذا المصاب الجلل لا يوجد ضمن دائرة اهتماماته، و قد و ضعته على بينة كاملة بفصول هذه الفاجعة إلا انه آثر رصد ميزانية بالمليارات لكذا تخصص مفلس ليس له من هدف إلا “التبشير” الثقافي مضيفا بذلك مزيدا من الاستنزاف لأموال الشعب إلى جانب التحطيم العلمي السائد بإشرافه.

ولأن الأشياء بالأشياء تذكّر ،هذا ما دفعني للتطرق بإيجاز لحال الطلبة الذين وكّل هذا المدير سالف الذكر على مصيرهم مثلما وكل أقرانه على مصير غيرهم من الطلبة و الجامعة عموما، فتفرغت هذه “النخبة” اليوم لمقاومة النقاب بعد أن وفت الجامعة و الطلبة حقهم و رمت بالكل إلي مستوى دون مستوى الصومال، و هذه البلوى لم تصب الذي انظموا لتلك الجامعات خاصة بل أصابت بالقدر نفسه عامة الشعب لأن الأموال التي أزهقت هي أموال الشعب و ويلات ذلك تعود بالدرجة نفسها على الشعب عامة، لذلك وجب اليوم تجند الكل للتصدي لعبث العابثين.

الثابت إذن أن هذه النخبة بعد أن وفت الجامعة و الطلبة حقهما في العلم و المعرفة تفرغت لمحاصرة المنتقبات، و بفضل هكذا مجهودات كانت الجامعة ولعلها لا تزال وكرا للمومسات المحصّنات بكذا إجراءات. وليخبرنا أحد المجندين لصالح “طهر” الجامعة من المنتقبات أن فتح أحدهم يوما فاه مشيرا لهؤلاء مجرد الإشارة.

لم أخبر بعد في أكتوبر من السنة الماضية الأمور على حقيقتها في ما تعلق بجهاد نخبة “حداثوية” ضد النقاب، و الحال أني عائد للتو من أرض (ألمانيا)غير هذه الأرض الحداثوية حسب مذاق سماسرتها في تونس و تتفيهها على أيديهم. ولعل هذا ما سيقدمهم لكم حواري التالي مع السيد المدير المذكور لأني وقتها كنت ما زلت أعيش في عمق التاريخ لا على هامشه كحال محاوري المدير.

سألني يومها المدير وهو عائد لتوه من إحدى أمهات المعارك ضد المنتقبات ببشاشته المعهودة حين يحدثني ،قال: وينك يا سيدي ، اشبيك ما مشيتش معانا؟ كنت في تلك اللحظة منشغلا بقراءة إعلانات الإجار في صحيفة كانت قد مدتني بها سكرتيرته على أمل الظفر بالمقر المأمول المشار إليه سالفا. و لم يكن هذا آخر الأسباب الذي حال دوني و فهم ما قاله المدير. لكن هذا لم يمنعني بعد أن أتممت الاطلاع على الإعلانات من العودة إلى السكرتيرة بالسؤال عن معركة النقاب هذه و علاقتها “بشل” الحركة في الجامعة حيث بدا لي أن أمرا كهذا يمكن أن يشعل معركة بين كمشة “زوفرة” و دعاة عفة و طهر في الطريق العام. أما أن تشل نخبة الجامعة الجامعة إداريا بعد أن شلوها علميا بسبب لباس 7 طالبات لباسا كفله لهن حتى “توراة” الحداثة الذي تزعم هذه الشرذمة التعبد به، فهذا أمر عجاب، فهناك نجد حرية المعتقد للأقليات مكفولة بقوة القانون. فكان الأولى بهؤلاء اللقطاء ثقافيا أن يتكرموا على المنتقبات و هن أهل البلد بحق الأقليات.

هذا اللبس دفعني أن أعود في اليوم الموالي للمدير وقد كانت جلساتي معه بسبب الوضع المأساوي للطلبة تحت إدارته مكثفة و سألته عن السبب الحقيقي للتجند ضد المنتقبات، فأجاب: لأن ذلك يعطل مسار الامتحانات. و فعلا انطلت هذه المخادعة بالقول على البسطاء حتى تبناها حارس الجامعة و … بل حتى حلاق شعري كان يحتج. لكني حين ذكرته بأن أوجه الحياة الحداثوية الحقة هي غير نمط حياة “الزوفرية” المغلفة بالحداثوية. و الأساليب الحديثة تمكنك من الكشف عن أحشاء المرء دون أن ينزع عنه لباسه، و هذا لا يحدث في المستشفيات فحسب بل كذلك في المطارات و غيرها ،فبهت الحلاق.

لقد احسست في لحظة حديثي مع السيد المدير إحساس بالسليقة بتخفي الجبناء خلف الزعم بأن النقاب يعطل الممتحن على التعرف على هوية الطالبة  ذلك على ضوء تذكري في معرض حديث معه تجربة طالبات أخريات في نهاية الثمانينات و بداية التسعينات ،و قد كنا كاسيات وعاريات الوجوه مع ذلك حوصرن و أطردن من قاعة الامتحان بل من الدراسة كليا بسبب الغطاء، لكن هذه المرة غطاء الرأس كان مصدر تعطيل الدروس حسب معسكر الدياثة الثقافية و الفكرية.

و لم أعد لذكر الأمثلة التقنية الراقية و المتعددة التي تساعد على التحقق من هوية المرء دون تعريته والتي ذكرت عينة منها سالفا في حديثي مع الحلاق لأن مستوى حجج جليسي أوحت لي بمستوى نخبة هذا المجتمع و من هو المسؤول الحقيقي عن تقهقره و رجعيته أمام الأمم. لذلك اكتفيت بسؤال جليسي المدير: لماذا لا يقع تكليف مدرسة للتحقق من هوية الطالبات ،وكفى الله بذلك الجامعة و الطلبة و البلاد عامة شر تفاهات النخبة المراهقة فكريا؟!

ذكرت هذه الفصيلة من الأمثلة و غيرها للسيد المدير على اعتبار أنها حلول لهذا المشكل الذي فرّ إليه الجبناء فكريا، و الحال أني كنت يومها أتحدث إليه ببراءة إنسان غريب عما يحدث في بلده العائد إليه بعد غربة مسترسلة عمرت ما زاد عن العشرين سنة ،كما أني كنت مستبعدا أن هناك من يجرأ على أن يغتصب لنفسه صفة “حداثوي” بأساليب الجبن الفكري هذه، و قد قبحته منظومة الفكر الحداثي و قامت من أساسها على محاربته.

لكن المؤكد أن تلك الحلول تعني فقط من ينشد الحلول لا من يفتعلها ليخفي بها فشله. فتحولت بذلك الجامعة أولا و الحياة العامة أيضا إلى مجرد مربض لهيجان و نبيح الحيوان بدل استثمار هذه الفرصة علميا و تنمويا التي جادت بها علينا أرواح و ثورة شباب لتلغ فيها اليوم الكلاب.

لذلك فإنه أولى الأولويات اليوم هو كف تلك الكلاب عن النبيج لذات النبيج حتى نتدارك ما فات و إلا  لاستمر النبيج و لا شيء غير ه كإنتاج أوحد ووحيد، و لكم في غيركم من الأمم عبرة يا أولي الألباب.

 

لقد استطاعت كوريا الجنوبية مثلا أن تصبح بفضل كد و جد أبنائها في فترة وجيزة دولة عظمي بقيمتها النوعية لا الكمية. و الحال نفسه ينسحب على ألمانيا التي خرجت من حرب لم تبق لها و لم تذر، مع ذلك استطاعت في اقل من خمس سنوات أن تجعل العالم “يسبّح” بمعجزتها الاقتصادية. كل هذا حصل لأن الخالق قد أنجى تلك البلدان من نبيح النباحين عشاق التكسب الرخيص، على حساب الإبداع و المبدعين الذين يعملون لأنهم علموا أن ألأيد خلقت لتعمل، فان لم تجد في الإبداع و العمل و الفضيلة عملا التمست في الرذيلة و الرداءة و الدياثة الفكرية و السياسية أعمالا. لذلك شغّل هؤلاء و شغلوا عقولهم و أيديهم فكان حال بلدانهم غير حال تونس اليوم.

 

إن ما أخشاه أن الذين استساغوا وآنسوا طريقة عيش و تكسب على نقيض تلك القائمة على الكد و الجد سينظرون إلى ما كتبته هنا كونه موجها إلى فصيلة بشرية بعينها تعيش في تونس جسدا خوارا. و أن ما كتب هو بدافع إديولوجي، فيفرون من حقيقة ما كتب فرار حمير فرت من قسورة إلى تحريف كلامي عن مواضعه في محاولة منهم لمخادعة ذاتهم بالدرجة الأولى. و لعل ما قد ينسب و يمنح لي في خضم محاولات  الخداع  عند هؤلاء المعتلين  الشالين لهذا البلد بعللهم أني مقص لأصحاب رأي ،وأي رأي، لصالح هوية إسلامية. و أنا إذ أعترض الآن على منحي صفة الحامي للهوية الإسلامية فهذا ليس من باب التبرئة أو التبرئ ، بل لأني لست لكذا مكانة أهلا من ناحية ، و رأفة بهذه الهوية من مزيد من التشويه وقد هوت قيمتها و تدنت لا بسبب الكائدين لها بل بسبب مؤهلات و سلوكيات الزاعمين حمايتها أفرادا كانوا آو مجموعات، وعذري أنه قد كبر مقتا أن يقول المرء ما لا يفعل.

!

Facebook Comments
FacebookTwitterGmailLinkedIn