قراءة د. عمار الفتيتي

 

عنون الكاتب  كتابه بـ:”العبادة في الإسلام” فما تعنيه هذه الكلمة ” عبادة” عند الكاتب. و كيف كان حالها في كتابه قبل تعديله  ذلك حين يقول أنه عدّل كتابه عما كان عليه سابقا ” حتى بدا في صورة أخرى غير الصورة التي ظهر بها منذ أحد عشر سنة ” ؟ (ص 7 )

 

 

لست أدري إن كان قد شمل هذا التعديل معنى العبادة ، وإن حصل ذلك، فهل دل هذاعلى أنه ليس للعبادة معنى ثابت عند الكاتب .وإن كانت العبادة تفتقر لمعنى قار فهل جيء بها لتمكين العابد وسلوكه من الإستقرار والثبات الإجابي، أم هي مصدر للإضطراب النفسي والسلوكي ؟  وهل الكاتب تعامل مع العبادة في شكلها الكلي ـ أي  شعائر ومعاملات ـ أم أخذ بجناح وأهمل الآخر، وبهذا جاءت صورتها عرجاء .

يضيف الكاتب في خصوص ماهية العبادة قائلا: ” والكتاب ليس بحثا في الأحكام الفقهية للعبادة…و إنما هو بحث في فلسفة العبادة في الإسلام ” وهذا يعني أن للعبادة فلسفة ، أي لها أبعاد وغايات، وليست هي غاية في حد ذاتها .:

يعود الشيخ في (ص8 )  ليقول أن العبادة هي غاية الخلق ” ولما ختم الله كتبه… ً وما خلقت الجن و الإنس إلاّ ليعبدون .ما أريد منهم  من رزق وما أريد أن يطعمونً  “. أي أن العبادة ليست وسيلة لتحقيق غاية بل هي الغاية في حد ذاتها حسب إستشهاده. 

ثم يشتكي الكاتب الفهم المنحرف للعبادة عند المسلمين بقوله ” فوجدنا من الناس من لم يعتبروا عبادة الله غاية تطلب لذاتها و إنما هي مجرد وسيلة لتهذيب النفس وتربية الضمير ”  (ص8) و هم بالمناسبة ـ و بصرف النظر عن صحة أوإنحراف فهمهم ـ من قاسموا الكاتب رأيه حين  قالوا بأن العبادة غاية في حد ذاتها والتزموا بذلك. عكس من قاسمهم الفهم ـ العبادة غاية في حد ذاتها ـ  لكنه لوّن القول. 

 

فلئن بدا لي هذا التناقض صارخا مع ظاهر الآية السابقة التي إستدل بها الشيخ على فلسفة ” عبادته ” حيث ذكرت صراحة أنه لا ينال الله من العبادة لحومها ولا دماءها  “ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ” إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو أين يمكن أن تتجلى هذه العبادة كغاية في حد ذاتها ، إن لم تكن  وسيلة لتهذيب النفس وتربية الضمير بنية تعبدية  و استشعارا بالمسؤولية من خلال الكد و الجد في إبتكار ما ينفع الناس عبر إكتشاف و إستنباط  قوانين علمية ، ذهنية كانت أو إنسانية أو تجريبية من أجل جعل الحياة تليق بمقام الخليفة على ضوء حياة من أستخلفه له  في الأرض، وهي مكانة لطالما شوهها القاعدون بإنتسابهم إليها، فشوهوا بذلك خَلق ( أعني عمل ) و خُلق من أصدقهم القول! فما ينتجه العابد من علوم و معارف ـ وهذا ما لا حظ فيه” للعالم القاعد ” أو المعتكف “الزاهد” أي الفاشل ـ  يسعد به في الدنيا ويؤجر به في الآخرة .  فالدنيا “مطية”  الآخرة.   و لو صدقنا الكاتب كبير علماء المسلمين اليوم في ما ذهب إليه في فهم العبادة  الحقة كغاية تطلب لذاتها لما بقي لنا أدنى شك في أن ” الدير” هوأنسب الأماكن لها طالما أن العبادة تطلب لذاتها، و هذا يقف عند حد ما وقر في القلب و لا حاجة في أن يصدقها العمل.   

رغم ذلك وجب هنا الإشادة بالتحذير من الإنحرافات التي يمكن أن تنتج عن فهم العبادة كمجرد وسيلة لتهذيب النفس … وهو ما سماه الكاتب بالفهم المبتور ” مع أن العبادة ـ هذا  قول الكاتب ـ كما جاء بها القرآن والسنة … تشمل الدين كله .وتشمل الحياة كلها ” (ص9). رغم أن هذا التدارك يحسب للشيخ أنه أعطى للعبادة هنا وظيفة الوسيلة، وسيلة تنظيم الحياة ، و لم يبق عليها كغاية في حد ذاتها، مع ذلك لم يبين لنا كيف إستطاع أن يجمع بين متناقضين. نأمل أن يرد ذلك مقنعا لاحقا.

دون أن نقف عند هذا الفصل بين الديني والحياتي نمر لنرى كيف قدم الكاتب الحل..

 يحاول الكاتب تقديم الإجابة عبر طرح أسئلة أربعة  لتصبح لاحقا ثلاثة فقط . يقول الشيخ ” من هنا رأينا واجبنا أن نصحح …. من نعبد ؟ ولماذا نعبد ؟ وكيف نعبد ؟ ” (ص 9) .

لم يبدأ الشيخ كتابه بتقديم الإجابة عن هذه الأسئلة الأربعة بغاية تحديد معنى العبادة التي  رمى بها في مقدمة كتابه ـ وهو ما يقتضيه العمل المنهجي ـ ليجد نفسه عبر طرح أسئلة ثلاثة متورطا في تقديم أجوبة عن أسئلة أنطولوجية وأنطروبولوجية شكلت دوما التحدي الأكبر للفلاسفة ، وما زالت تبحث حتى الساعة  عن مجيب مسؤول عما يقول معرفيا . أما الشيخ فلم يجد عناء في تقديم الإجابة التي لا مجال في أن ينتابها الشك ، وقد إستند في ذلك على مخزن الإجابات الجاهزة التي لا يأتيها الباطل من يديها ولا من خلفها! وبذلك أوتي المتّبع والمتَّبع  خيرا كثيرا ، واطمأن الكل  على الفوز بالحسنيين ، أن أوتوا بفضل ذلك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة!!! .

 تاركا وراء ظهره الأسئلة الأربعة التي ذكرها كبداية في تخطيطه التحريري لكتابه ، تحول الشيخ للسؤال عن ” مهمة الإنسان في هذا الوجود ” عبر أسئلة ثلاثة : لماذا وجدت ؟ وما مهمتي في هذا الوجود ؟ وما هي رسالتي في هذه الحياة ؟ تفرقة بين “هذاالوجود” و” هذه الحياة” في كتابة دينية تقليدية!!! ؟

ولكي يتجنب العار ـ هكذا قال الشيخ ـ وجب على الإنسان أن يسأل نفسه : لماذا خلقت ؟ وما غاية خلقي ؟ وبهذا يتخلى الشيخ مرة أخرى عن سؤال فيكتفي بإثنين بدل ثلاث ، لماذا خلقت ؟ وما غاية خلقي ؟ 

فورا وعلى نفس الصفحة (ص 13) أدغم الشيخ هذين السؤالين في سؤال واحد بقوله : ” وقبل أن يجيب عن هذا السؤال ،أو يجاب عنه، بل قبل أن يسأله ، يلزمه ـ هنا يعني الإنسان ـ أن يسأل نفسه سؤالين آخرين . لكي يتضح له الجواب ، وتتبين له الحقيقة كاملة مشرقة ، لايحجبها سحاب وضباب “.

نستشعر الغرابة إن لم أقل الضعف المنهجي لدى الكاتب حين تحدث قبل قليل عن سؤالين آخرين ، فحولهما دون موجب إلى أربع ، تمنيت لو وجد بينهم  رابط  حتى تشفع له “الطوطلوجيا” في ذلك .

أما السؤال الأول كما أورده الشيخ فهو : من أنا ؟ ومن أين جئت ؟ من أوجدني ؟

إذن هذان  سؤالان لا مبرر علمي للجمع بينهما ،لاختلافهما من حيث الجنس المعرفي إختلافا حد التضاد . فالأول ـ و الشيخ يقدم عملا فلسفيا كما ذكرـ   أنطربولوجي الجنس والثاني حسب التعريف المعرفي الحديث هو أنطولوجي .

 والخطورة نفسها إنطوى عليها طرح الشيخ للسؤالين كما يلي : من أين جئت؟ وبعبارة أخرى، من أوجدني ؟ (ص14)

لا أظن أن الشيخ كان يدرك مدى خطورة  هذا التشوه  للمعنى على من صدق بكتاباته ، حين يعتبر ما هو أنطربولوجي  أنطولوجي / ميتافيزيقي. 

والسؤال الثاني جاء على طريقة طرح الشيخ القرضاوي في شرحه لما  سماه “فلسفة العبادة ” كالآتي :” ما مصيري بعد أن وجدت وإلى أين أذهب بعد الموت؟

الثابت أن الكاتب ترك خليط أسئلته بدون إجابه و استعاظ عنها بأسئلة من مخزون الفكر المسيحي ” …و يعبر بعض المفكرين عن هذه الأسئلة ـ يعني أسئلته هو ـ بهذه الكلمات: من أين؟ إلى أين؟ و لم؟ …إلخ (ص14)

 و بإستعاضته عن أسئلته تحرر من تقديم الأجوبه عنها واكتفى بسرد أجوبة ” بعض المفكرين”

لا أرى حاجة في البحث إن كانت هذه النوعية من الأسئلة من التميز بمكان حتى تنسب  للمفكرين أم هي أسئلة متداولة على كل الألسن  بل إن الجندي في مرحلة تكوينه الأساسي يلقن أجوبة عن أسئلة أكثر دقة من تلك التي نسبها الشيخ القرضاوي “لمفكرين ” كخاصية لهم . أي أن العسكري وجب عليه أن يطرح على نفسه أربع أسئلة في بداية كل عملية قتالية ضمانا لنجاحها ، وهذه الأسئلة هي: من أين ؟إلى أين؟ ومتى؟وكيف؟

فالعبرة ليست في طرح وابل من الأسئلة ، وقد ميز هذا السلوك الأطفال عن” الكبار” لعدم إكتراثهم بطبيعة الإجابة ، حيث أن طرح السؤال عندهم غاية في ذاته أحيانا .

دون أن يقدم الشيخ القرضاوي ـ إلى حد الساعة ـ إجابة عن كم أسئلة، آثر أن يسرد ويعلق عن الإجابة  ” لبعض المفكرين ” المتعلقة بأسئلتهم ألا وهي : من أين ؟ إلى أين ؟ ولماذا ؟

أما السؤال الأول ـ هكذا حدث الشيخ القرضاوي فقال ” فهو عقدة العقد عند الماديين الذين لا يؤمنون إلا بما تقع عليه الحواس ”  (ص15)

ويضيف الشيخ ” إنهم يخفون صوت الفطرة في صدورهم. ويتحدون منطق العقل في  رؤوسهم .ويصرون ـ في عمى عجيب ـ على أن هذا الكون بما فيه ومن فيه وجد وحده . وكل ما فيه من أحكام وترتيب إنما هو صنع المصادفة العمياء. “

أبوح لكم بسري أيها القراء  الأكارم، وأقول إن بدني قد بلغ ذروة القشعريرة وأنا أقرأ هذه الفقرة لفداحة “الجرم ” الذي أقدم عليه الكاتب في حق النشئ وتنشئتهم المعرفية .وقد زاد في حالتي الشعورية هذه وأنا أقرأ هذه الفقرة شعوري بضخامة مسؤولية ترميم هذا الخراب  في الوعي الإسلامي الذي تلقاه المتلقي عن الشيخ القرضاوي و من تشكل على شاكلته في معرض رسمه للعبادة السليمة . فالأمر يحتاج لمجلدات وكما من المحاضرات في المتضررين . ومما يزيد الأمر تعقيدا هو أن المتلقي يتلقى ما تلقاه عن الشيخ القرضاوي كمكون لهوية دينية لا كطرح علمي يؤخذ منه ويرد.

على الرغم من ذلك نقول  ـ على إفتراض أن فهم الشيخ  “للمادية” فهما صائبا، نتساءل ، ماذا عن الذين إعتمدوا على مقولة البعرة تدل على البعير ؟ هلا حق فيهم ما وصف به الشيخ الماديين  ـ حسب فهمه للمادية ـ أنهم يخنقون صوت الفطرة  ـ في عمى عجيب ـ بأن آمنوا فقط بما تقع عليهم حواسهم .

أما المادية كمنهج علمي  ـ ولا أظن أن الشيخ كان يعني ما يقول ـ فقد مجدها الشيخ بجملته هذه التي جمع فيها كل المتناقضات . ذلك حين قال ” وكل ما فيه من أحكام وترتيب … ” فالسؤال هنا هو كيف توصل الشيخ العلامة إلى إدراك أن الكون قائم على قوانين

محكمة الدقة لولا قدرة الشيخ العلمية المخبرية الاستروفيزيائية . سيما أن حديثه هنا يدور حول نتائج لأعمال مخبرية متنوعة في مناهجها التجريبية أي الحسية . فالأحكام والقوانين اللذان تحدث عنهما الشيخ عبرت عنهما قوانين فيزيائية (كوسموفيزيائية ، مايكروفيزيائية أو ماكروفيزيائية …) في أجسام متنوعة لا في أفكار مجردة . وبصرف النظر إن كانت هذه التفاهات العلمية التي إعتمدها الشيخ في الإستدلال محكم الترتيب، و من ثم على عظمة الخالق ووجوده من إنتاجه الخاص أو وسوس له بها ، فالثابت أن تلك القوانين الدالة عن “الإحكام والترتيب”هي ترهات بالية ، مقامها مقام أوراق أشجارضعيفة المقاومة للعوامل الطبيعية ما إن إخضرت وزهت حتى ذبلت فاصفرت وتساقطت . ولا أجد مبررا للشيخ ومن تشكل على شاكلته  في”الإنتصار” للدين على هذه الشاكلة إلا ما كان يقوم به رجال الدين ” الأبولجيون” في القرون الوسطى ، حيث أنهم لم يكن لهم وسيلة في الدفاع عن الدين آنذاك  ـ بغض النظرعن دوافع هذه المهمة ـ إلا الإرتماء في أحضان عواطفهم . إلا أن فرارهم للإيديولوجيا لم يزدهم إلا خبالا أمام من صدقوا الحقيقة وعدها بأن كدوا وأجهدوا عقولهم إنتصارا لها . وهكذا هزموا القاعدين . فهل يعيد التاريخ نفسه في حق الإسلام طالما جثمت عليه أوثانا دينية تكاد تعبد  قيل فيها أنها أعلام أو علماء! .

صحيح أنه من ” ألطاف”  الله  بالمسلمين أن الحركة العلمية والفكرية عموما مشلولة عندهم إلا مما يقدمه  “الابولجيون”   من ترهات  وتصدق كخدمة  للإسلام  ، لكن إلى متى ؟ وإلى متى ستظل هذه الأوثان الدينية على ما هي عليه، ولم لم تتحرك من تلقاء نفسها بنفسها لمحاكمة ذاتها ؟ أم إستوجب ذلك ظهور ” فتى ” يقال له إبراهيم ليحظهم حتى تظهر الحقيقة ؟

إن العلامة القرضاوي لم يشوه معرفيا من صدقه في ما قاله في حق فهمه للمادية على شاكلة الفهم الكنسي ، الأمر الذي سرع في ظهور المنهج المادي التجريبي آنذاك . بل إن العلامة القرضاوي بالغ في جمع المتناقضات حين نسب إلى المنهجية المادية إعتمادها على الصدفة .

مثلما  سبق أن قلت أن السكوت عن هذه الخيانة العلمية ـ كذلك في شأن ما يقال في معنى الفطرة ـ باسم الإسلام في حق الإسلام شيطنة

لكن أعزائي إن المقام لا يسمح لي هنا بأكثر من هذا .

ودوسا للقاعدة القائلة بأن الجاهل لا يعذر بجهله حاولت أن أجد عذرا للعلامة القرضاوي على ما إقترفه في أسطر أربع جمع فيها المتناقضات، فخلت عله  إختلطت عليه الأمور فاختزل المادية كمنهج علمي تجريبي شامل في المادية الجدلية و المادية التاريخية . وإن صح ذلك يبقى السؤال مطروحا ، إلى أي مدى كانت “طبخة” العلامة تلامس الحقيقة هنا كذلك .

وقبل أن أتناول فهم الشيخ” للفطرة” واعتبارها من قبله قوة راشدة للناس ” بأن لهم ولهذا الكون ربا عظيما  ، تتجه قلوبهم إليه بالتعظيم والرجاء والخشية والتوكل والإستعانة “. (ص15) و قبل أن أمر لـ ” الفطرة” في فهم الكاتب  أود أن أشير أني لم  أجد على إمتداد عمر بحوثي الفلسفية من فسر التاريخ تفسيرا ماديا فاق في تطرفه صورة ” الماديين ” التي نسجها لنا خيال الشيخ القرضاوي وقبحها إلا صورة ” المشايخ ” التي طالما أثنى عليهم العلامة القرضاوي وهما إبن رشد وابن سينا.

أما إعتماد الشيخ على الفطرة كأداة لمعرفة الله ،ذلك بعد أن تخلى الآن عن ” منطق العقل ” الذي إحتج به على نكران الماديين لوجود الله ، فهذا هو الآخر أمر يدعو للحيرة والأسى . فلو صح أن الله فطر الناس على إدراكه منذ الولادة ـ وهذه بالمناسبة عقيدة مسيحية ـ لدان كل الناس لإلاه واحد لا لآلهة متعددة ، ولم يخلقهم الله مختلفين ، ولما كانت هناك حاجة لإرسال الأنبياء والرسل ، وقد قتل بعضهم وعذب آخرون دون نجاح في  إقناع وهداية من هم بالفطرة ـ حسب فهم الشيخ للفطرة ـ مؤمنون بالله . ولكان الإنسان الوحشي في غابات الأمازون يسبح بحمده  دون أن تصله الرسالة . الحقيقة أن تفسير الفطرة  على هذه الشاكلة  هي حلقة أخرى من مسلسل تشويه الوعي الديني في حق المقلدين .

أما المعنى الحقيقي للفطرة في الآيات القرآنية والسنة النبوية فلا يمكن إلا أن تفهم فهما أنطروبولوجيا  .فالرسول (ص) حين يقول :  “يولد الولد  على الفطرة … ” وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ” فكأني به ينذر المسلمين بأن الطفل يولد وهو عرضة لتخزين أي معتقد ، فاحذروا أيها الآباء وانتبهوا لدور التربية . وطالما أن كلامه كان إنذارا فلذلك لم ينذر ـ و هذا بديهي ـ من تربية  الآباء للأبناء على الإسلام  كقوله مثلا … وأبواه يؤسلمانه . بل إكتفى بالإنذار  مما “يهدد” الطفل في نشأته الأولى ” وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ” فالفطرة إذن هي قابلية الإنسان على التشكل على إعتباره حيوان عاقل لا  حيوان غريزي الطبائع . لذلك قد يمسي الإنسان كافرا بعد أن أصبح مؤمنا والعكس صحيح . ولنا في الرمز الأزهري المتنصر خير مثال .

الملاحظ أن الشيخ تدرج على نفس الصفحة نحو الأسفل في تبيانه  للقوى المدركة لوجود الله . ولا أجد تفسيرا لذلك ، إلا أنه لم يكن واضعا في حسبانه ـ حسب المعتاد ـ ترشيده ، لضعفه من قبل القراء للثقة العمياء في الكتابات ذات الصفة االدينية ، ومن ثم وجودها فوق القراءات  التقييمية .

بدأ الشيخ بالخلط بين ما هو فطري حدسي ، ليتخلى عن العقل ويبقى على الفطرة . ثم إستقر به الحال عند الخوف كقوة دالة على الله .” وقد يخفت هذا الصوت الفطري في النفس أو يكبته صاحبه عمدا في ساعات الرخاء والدعة ، فإذا نزلت بالإنسان أحداث مريرة ، واهتز عوده أمام الشدائد القاسية ، وخاب أمله في الناس حوله ، هنالك ينطق هذا الصوت متجها إلى ربه ضارعا خاشعا داعيا راجيا منيبا إلى الله .”

يا لها من عبادة على حرف ! ويا لها من مكانة لعبادة الله ، شأنها شأن دور العجلة الخامسة في السيارة ، لا يلتجأ إليها إلا في حالات الضيق ، وفراغ الجيب ، وانفضاض الناس ، ونزول الشدائد . وقد يوجد  نموذج لهذا السلوك التعبدي  وقد قبحه الله . لكن العيب في أن  يخلط علامة تتلمذ على مناهجه هذه الآلاف بين الفطرة على إفتراض أنها قوة دالة على وجود الله بالحدس والخوف كأداة سليمة هو الآخر  ـ حسب الشيخ القرضاوي  ـ لمعرفة الله .

إن موجة الخلط عند الشيخ لم تقف  عند الخلط بين الفطرة كحدس والخوف كحالة نفسية بل إختلط  عليه الأمر هنا في هذه الفقرة (ص15) بين وظائف المدارك العقلية  كقوة دالة على الله و الفطرة حسب فهمه من ناحية ـ فالعابد لا يعبد و لا يدرك ربه بالفطرة ـ  و الخوف من ناحية ثانية.

فالعبادة كما هو معلوم لا تحصل إلا بعد الإقرار بمعبود . والخوف كحالة شعورية ليس قوة إدراكية بل هو كحالة شعورية قد تدعم المدركات عموما ، وقد تدخل عليها الإضطراب أحيانا . والشيخ أو أحد أتباعه لو قرأ ما أكتبه الآن في حق غيرهم لاستساغه ، ربما كتبيان للحق، أما أن يكون شيخي أو شخصي أو الأقربين هم المعنيون فهذا أمر فيه نظر . وهنا تبرز علاقة العواطف والمشاعر بالمدارك في تحديد الأحكام وكسب المعارف.فالإستدلال بالخوف كإحدى أوجه الإدراك ومعرفة الله إستشهاد ضال مضلل . والذي يقدمه العلامة القرضاوي كإحدى أوجه الإيمان بالله مبني على الخوف والضعف نجد له أوجه عدة في عبادات فاسدة . حيث أن الخوف قد يدفع بصاحبه لعبادة الأشباح والجنون والشيطان ، وعبادة للإنسان بعد أن يعظم في عينيه وعبادة الأوثان والأبقار… كل هذه عبادات لمعتقدات أساسها الخوف لا التدبروالتأمل . فالخوف ضروري كأداة للإلتزام، لكن فقط بعد رسوخ الإيمان .

يستمر الشيخ في توسيع الشرخ الإيماني باستناده على طروحات ،عذره أنها جاءت على ألسنة فلاسفة ، وهذا كاف ـ حسب ظنه ربما ـ

لتقوية موقفه . لكن الشيخ كان دوما ” قنوعا ” في فهمه لمعنى الإيمان . ما زلت أذكر حين كنت أتابعه في إحدى جلساته التي تبثها إحدى الفضائيات مساء الأحد ، وقد كان يومها يوم التحمس لحث ” المؤمنين” على الإتحاد لمحاربة الملحدين .وفي طليعة هؤلاء “المؤمنين” ذكر يومها العلامة القرضاوي البابا وكنيسته . فالقاسم المشترك بين العلامة وهؤلاء هو التلفظ بالإيمان ، ونسي أو جهل أن بداية الإتحاد كانت نتاج مجهود ذهني ، نظر فقدر أن صورة” الرب” الجديد وماهية الدين في ربوع أسلاف حلفاء الشيخ القرضاوي لا يرقى أن يكون خرافة . وما هي إلا سنوات حتى جاء ” البابا ” الجديد ليفتتح مهمته في دعاية لصالح كنيسته لا بإبداء قوة البرهان للمعتقد وطهر السريرة لرموز الكنيسة في حق الأطفال وبراءتهم مثلا ،وقد إغتصبوهم  أفواجا أفواجا ، بل فر إلى توجيه الإفتراءات على خير الله ، الأمر الذي سبب تصدع في  ” حلف المؤمنين ”  ” بغضبة الشيخ ” هذه المرة ، لكن لخير الأنام . ليحل في تلك المرحلة ضيفا مبجلا على عمدة لندن الذي لا جامع بينهما إلا ما فرق بين فكر عمدة لندن بأحلاف الشيخ رموز الكنيسة.

أقول هذا لوجود تشابها فيما أقدم عليه العلامة القرضاوي ، وهو يستشهد بفلاسفة (ص16) ،عزاءه أنه وجدهم يذكرون ” الخالق ” والدين ” ” والتدين “

 ومن عالم المجردات في أفكار نظراء الفكر المسيحي تحول العلامة القرضاوي ليستمد الأدلة من عالم المحسوسات والتجارب ، إلى إسحاق تبوتن وأمثاله ،. يثمن الشيخ القرضاوي ” قانون السببية ” عند هؤلاء ويستعيرها منهم في الإستدلال على وجود الله . ولعلمي أن الإله الذي يدع له الشيخ  القرضاوي لا يشخّص كحال الرب عند غيره وقد تكفلت السببية وقوانينها في إحتوائه وتحديد ماهية. فأنى لعلامة المسلمين اليوم أن يعتمد على السببية لتحديد ماهية إله لا تدركه الأبصار ولا تحتوي كنهه الأفكار إلا رمزا .                  

 إلى أين المسير؟

لقد طال إنتظار القارئ دون أن يجد أثرا في ما كتبه الكاتب لحد الساعة لملامح ماهية ” العبادة”. فلئن رمزت الأسئلة الماضية إلى العقيدة ـ لا إلى العبادة و معانيها ـ قفز الكاتب هنا عبر السؤال  ” إلى أين المسير” إلى مرحلة الحياة بعد الموت و تستمر المساحة الفاصلة بين المرحلتين ، أي مساحة العبادة ، خاوية. 

قد أجد عذرا لفهم  الكاتب “كرجل دين” لمجريات الأمور على هذا النحو. إلا أن هذا الكاتب هو مؤطر جامعي , و رمز تعبدي وهذا مدعاة الدهشة. لا لأنه و قع ضحية إستهلاكه لإنتاج غيره الفكري ، بل كذلك لأنه ألقى بغشاوة على مبدئ تزعم  خدمته بأن إستعار  تأويلا يتنافى مع جوهره و أسقطه عليه.

هذا الضعف أظهره الكاتب هنا مرة أخرى خلال رده على مهاترات بمهاترات مثلها في معرض نقده “للمادية”.

يجهل الشيخ أنه لو توجه إلى فيزيائي  يحترم نفسه و سأله عن الماورئيات فسيجيبه بالنفي، و إن كان هو من المعتقدين في ذلك  لعدم إمكانية الإستدلال بالعكس. و نفس الأمر ينسحب على “من به مس من الجن” فسوف لن يجد الشيخ عالما يصغي إليه رغم أنه قد يكون أنه من بين العلماء من هو أشد الناس خوفا من الجن و قصصها. و هذا ما يعود بنا إلى علاقة الخوف بالإدراك السليم. لذلك نجد عند مرضى الخوف ـ كحالة مرضية في مجال علم النفس العلاجي ـ حلقة فارغة بين الخوف و سببه عند المريض. كخوف مريض ” التنظيف الإجباري” من الكلب مثلا, أو خوف المسافر من ركوب الطائرة، على الرغم أن الطائرة ليست سبب الخوف الحقيقي.

فالماديون المشار إليهم آنفا تحكمهم قاعدة، أنه ما لا يمكن الإستدلال عليه وجب الصمت عنه. و هناك شريحة أخرى من ” الماديين” جعلت من قصر نظرها مشغلا للغير بعدما خدمتها مناخات ثقافية و دينية معينة على الظهور و نيل شرعية المشارب الفكرية ذات الصبغة الكونية عند جاهل بأن وضعها خارج إطارها الزماكاني.

لماذا خلق الإنسان؟ بهذا السؤال  (ص22) ختم الكاتب هذا الباب الأول ” العبادة مهمة الإنسان الأولى ” من كتابه مع إستمرار ماهية ” العبادة” دون طعم أو رائحة: أهي غاية في حد ذاتها، أم وسيلة لتحقيق و بلوغ غاية.

بعد أن عجزت أن أستخلص من ما تقدم ذكره لهذا الكتاب ما أراد الكاتب قوله : هل حل عنده  الحديث  عن   العقيدة  محل الحديث عن العبادة  موضوع هذا  الكتاب ؟ وهل معنى العقيدة في الإسلام هو ذاته في عقيدة من إستعار منهم الكاتب تعريف العقيدة ومعانيها، وهم ديكارت وبارجسون وبايكن وغيرهم ؟

هل العبادة غاية في حد ذاتها مثلما صرح الكاتب في معرض رفضه لفهم العبادة من طرف إخوانه في العقيدة ” الصوفيين ” وغرمائه فيها من العرب مقلدي الثقافة اللادينية ؟

نأمل أن نجد تبيانا لذلك . والحال أن الكاتب شرع في الصفحة 27 في الحديث عن العبادة،  وتحديد معناها لغة واصطلاحا . وتعني في القاموس الطاعة حسب الكاتب . وقبل أن  أجيب عن سؤال خامرني ، إن كانت طاعة الأبناء للآباء عبادة لهما ، أم هي وسيلة لتحقيق غاية  رضاء الله ، وجدت أن الكاتب أقر أن أصل العبادة ” التذليل من قولهم  طريق معبد أي بكثرة الوطء عليه ” .

رغم أن هذا الأمر حسم أمره بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ” من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ” أي أن الصلاة وسيلة . لكن لكوني لست من محترفي الدين آثرت أن أتابع فضائل فكر هؤلاء المحترفين على الدين وأتباعهم .

وبالعودة إلى ما قاله الكاتب في أصل العبادة نستخلص أن تعبيد الطريق  ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتهيئة الطريق .والمنفعة للحرفي معبد الطريق ، التي هي الأخرى ، أي المنفعة، رهينة مؤهلاته على تطبيق مقاييس هندسة راقية ، وإلا  فالخيبة له ولمن سار على ذلك الطريق .

يستمر الكاتب في الإستدلال على ماهية العبادة وفق رؤيته ، فيقول ” … ان العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ،ناشئ عن إستشعار القلب عظمة  المعبود.لا يعرف منشأها …” ص 30 .

غريب أمر هذه النفس أو هذا القلب الذي يستحضر عظمة معبوده فيجله ، بعد أن عَبد نفسه على ذلك ، وفي الآن نفسه لا يجد لهذه العظمة دليلا “لايعرف منشأها ” . إذن كيف  إستحضرها في نفسه وهي لامنشأ لها .وهل بلغ الأمر بعظمة المعبود هذا الحد ، حيث ظلت عظمته دائما هيلينية ، ولا أثر  للإستدلال  عليها !. عن أيَ معرفة يتحدث الكاتب  إذن حين يقول  ” فمن عرف الله أحبه ، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة … ” ص 34.

   مثلما خلط الكاتب في تحديد ماهية العبادة ، يخلط هنا بين ماهية المعبود وتجليات عظمته .

بعد أن عرض الكاتب تعريف الشيخ  محمد عبده للعبادة  ص 30 وتعريف الشيخ  إبن تيمية لها ص 31 يخلص الكاتب للقول ” وبهذا الشرح العميق لمعنى العبادة وحقيقتها، ندرك أن العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين” :

1ـ الإلتزام بما شرعه الله  ودعا  إليه رسله ،  أمرا ونهيا ، وتحليلا وتحريما . وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله …

2ـ أن يصدر هذا الإلتزام من قلب يحب الله تعالى …” ص33

صحيح  أن الإلتزام بتطبيق القوانين دون الإحاطة  بغائية  تلك القوانين قد يكون عبئا،هذا إن  أحترمت تلك القوانين أصلا . ويزيد النفور من تلك القوانين  وليس آخرها قوانين السياقة وركوب وسائل النقل مثلا ، إذا كان المهندس  الذي وضع تلك القوانين من الضعف  بمكان بأن جلبت قوانين المرور المضرة و الويلات على مستعملي الطريق ، بدل أن تؤمَن حياتهم .

إن محبة الدين من كرهه هي صورة للمثال سالف الذكر . فالذين نفروا من دينهم واحتقروه يعلمون رغم ذلك أن للكون إله . لكن راسمي معالم الطريق الدينية تفهت عظمة الخالق وراء ضعف وهزالة حلولهم و تحاليلهم . فالحب والكراهية  للعبادة  وفي العبادة  لا يأتيان من العدم بل لهما أسبابهما .وقد تعيش الحلول الدينية على غرابتها في حماية زرع الخوف  فيقفز المتلقي  على النظر في نتائج تلك الحلول إلى الإستسلام لأدبيات الخوف والتخويف لتستمر العلاقة الدينية في حقيقتها على أسس سيكولوجيا ” خوف ” وروحانية في قطيعة مع الواقع لا  حظَ  لإصلاح الدنيا  فيها ، ولذلك تميزت هذه الطريقة التعبدية في أن جعلت من أتباعها الحلقة الضعيفة في العلاقات البينية داخل المجتمع  الواحد أو في العلاقات الدولية .

في هذا السياق يفاجئ الكاتب القارئ  ـ على خلاف إقراره سابقا أن العبادة غاية في حد  ذاتها ـ بأن العبادة وسيلة و ليست غاية في حد ذاتها ذلك على ضوء طريقته في طرح السؤال : بماذا نعبد الله ؟ أو لماذا نعبد الله ؟  ـ فبماذا ـ  دلت على الوسيلة ،  أي أن أنواع العبادات المختلفة هي ” أدوات ” للوصول إلى الإجابة عن ـ  لماذا ـ ، أي إلى تحقيق الغاية عبر تلك الوسائل . وهذا ما عبر عنه الكاتب بصريح العبارة ” العبادة غذاء للروح ” و”العبودية لله سبيل للحرية ”  و” العبادة إبتلاء إلهي يصقل الإنسان” و”العبادة حق الله على عباده ” و”العبادة طلبا للثواب وخوفا من العقاب ” ص 95 ـ

114

رغم هذا الكم من أوصافه للعبادة الدالة على كونها وسيلة لتحقيق غاية يناقض الكاتب نفسه وهو يحاول تقديم الإجابة عن سؤاله الآتي:”هل العبادة مجرد وسيلة لتهذيب النفس” . يقدم الكاتب من جديد العبادة كغاية في حد ذاتها بأدلة  يؤكد بها في تناقض منه  على أن العبادة وسيلة لنيل هدف .

عاد الكاتب ليحتج من جديد على أن ” هناك دعوة خبيثة … ” ص 115 . والحقيقة أن الشيخ فاته أن الذين قالوا بعدم الحاجة للدين  في مجتمعهم أقاموا الدليل على أنهم الأقدر على تنظيم حياتهم من أن يتولى أمرها حفنة من المعتوهين الدينيين و ذلك بعد أن كشفوا ستر وهن الأدبيات الدينية تلك التي طالما تدثر بها أولئك المعتوهين. فلا غرابة أن تكون الغلبة لصالح اللادين على حساب دين ضعيف الحجج والبراهين في الغرب. لكن المؤسف  أن تحضر قوة الحجة والبرهان في دين و تحجب حقيقته بسبب جهل الممثلين له ، وتعسفهم على الحقيقة . فبدا سفراء هذا الدين نماذج لفساد الأنفس والضمائر . فلا صدق ولا إخلاص في القول، ولا في ما يصنعون  . وكانت نتيجة ذلك أن فقدوا القدرة على تسيير مقاليد حياتهم ، واضطرهم ضعفهم وعوزهم  إلى وضعية ” من إذا تحدث كذب،   وإذا وعد أخلف  ، وإذا أؤتمن خان الأمانة ، وليس آخرها الأمانة العلمية  بذريعة الضرورات تبيح المحضورات.

على نقيض ذلك نجد مجتمعات مارقة عن دينها إذا ما تحدثت لا  تنهق كالحمير وإن عملت عملا أتقنته … وهذا كثمرة  لجهدهم أنفسهم في التميز تزكية لأنفسهم على من سواهم عبر ما يصنعون فعلا لا عبر إغتصاب قيم هم ليسوا لها أهلا .

فهذه قراءة للمقارنة التي وردت  في ما ذكره الكاتب في هذا الكتاب بأن جعل العابد فوق العامل، و قد ذكرتني باستشهاده وغيره من المسلمين بآيات القرآن الكريم التي قبحت سلوك اليهود ووصفتهم بالقردة و الخنازير  ، وذلك في نشوة تميزهم على هؤلاء . فكلما سمعت وشاهدت تصريحات كهذه تمنيت أن تبقى في حدود الإستهلاك المحلي ، وإلا جاءت بنتيجة هدامة في حق القرآن وعظمته . فأنى لأربع ملايين من القردة والخنازير  أن يجثموا على صدور مئات الملايين من مسلمين زكت أنفسهم معالم رسمتها لهم  “علوم أعلام وعلماء” الدين الإسلامي .

فالعاقل سوف يقول في هذه الحالة ، إما أن القرآن خاطئ في تقديراته ووصفه  ، أو أن الذين ينسبون أنفسهم للقرآن والإسلام هم أدنى من أن يكونوا قردة وخنازير . فعليهم أولا  أن يبذلوا طاقاتهم ، علهم يبلغون مرتبة القردة والخنازير و البقية تأتي…

 الأمر نفسه ينسحب على ما زعمه الكاتب في شأن نتيجة العبادة كغاية في حد ذاتهاـ وهو ما فشل لحد الساعة في الإقناع به  ـ ، حيث قال” صلاح النفس ثمرة للعبادة الحقة و ليس علة لها” ص 116 بمعنى أعبد و كفى، دون ربط السبب بالمسبب.   

 لكن السؤال:  أنى لنفس  خبيثة و غير مهيأة لقبول الفضيلة أن تقبل بالعبادة و كفى من تلقاء نفسها أصلا . وإذا قبلت بالعبادة من حيث المبدئ وسيلة كانت أو غاية في حد ذاتها ، فكيف تهيأت لذلك؟ أليس عبر الإرشاد الديني عبر الترغيب و الترهيب ، و من لم يقبل على الدين خوفا من تبعات الإنحراف عن طريق تزكية النفوس أقبل عليها طمعا في ثمارها؟  . وإن قلنا على سبيل الإفتراض بأن هذه النفس كانت  في حال ما قبل النصح بالعبادة في وضع  يقبل بالتعبد ، فهل تهيأت  على أساس أن لكل عمل مكافأته التي تحددها غاية العمل ، أم تهيأت على أساس أن العمل عبث أطفال ، عمل دفع إليه الملل؟!. ولمن أراد أن يتوسع فلينظر في” نظرية اللعب”؟ أم هي نتيجة لتفاعلات بيوفزيولوجية تبزغ بصفة تلقائية كبزوغ الشعر في العانة!؟ 

يستمر الكاتب في الإستدلال ـ  على طريقته ـ على أن العمل أو العبادة غاية في حد ذاتها ، ذلك في معرض شرحه لـ : “صلاح النفس ثمرة للعبادة الحقة وليس  علة لها ” فيقول ” فلأن العبادة مطلوبة لذاتها وغاية في نفسها بل هي ـ كما أوضح القرآن ـ مراد الله … ” وهكذا حكم الكاتب على القارئ أن يدور معه في حلقة مفرغة .

يبدو جليا أن الكاتب تقيد بجزء من ظاهرالآية الكريمة ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” . والآية أعلنت صراحة أن الله لا يريد من العابدين من رزق وما يريد أن يطعموه . إذن فالعبادة الإسلامية ليست رهبانية بل المسلم يعبد ربه بما ينفع” الناس “في الدنيا. وهذا ما يزل به لسان الكاتب أحينا ليناقض نفسه أطوارا حين  يتعسف على تقديم فهم العبادة كغاية في ذاتها .

على نفس الصفحة وفي الفقرة التي أعلن فيها أن  “العبادة مطلوبة لذاتها” يقول الكاتب ” المقصود بالعبادة أن يعرف الإنسان نفسه فقيرا لا حول له ولا قوة له إلا بربه ” (ص 116) .لكن كيف ستمكن عبادة هي غاية في حد ذاتها صاحبها من التعرف على نقاط ضعفه ، و هي عمل لا يقيم بنتائجه أو بخواتمه؟

في هذا القول هناك ما هو في غاية الأهمية من حيث ضبابية المعنى : وهو أنى للإنسان أن يعرف ” نفسه فقيرا لا حول ولا قوة له إلا بربه” عبر الرهبنة المتأتية عن فهم ” أن العبادة مطلوبة لذاتها “؟ فنظرالإنسان في حقيقة مؤهلاته لا يحصل إلاّعبر مجابهته للحياة فعليا وكدحه لربه كدحا، لا عبر التهاليل و التسابيح مثلا و ما شابه ذلك فقط .أما أن تكون العبادة  غاية في حد ذاتها فأنى لي أن أتأكد من تحقيقها لمقاصدها و من ثم يتأكد لي محدودية طاقتي بعد أن أنفقت كل طاقتي و فشلت في تحقيق الغاية ، وأنه فوق كل ذي علم عليم وفوق كل طاقة طاقة مطلقة لولا ربط السبب بالمسبب، أي العلة بالمعلول. فهذا لا يمكن التحقق منه عبر النظر للعبادة كغاية في حد ذاتها . إذن هذا لا يصح في معنى العبادة كغاية في حد ذاتها  أي دون ربطها بأسباب.  

أما لو كنت و قفت عند حد الرهبنة  بعد أن نظرت للعبادة كغاية في حد ذاتها دون أن تكون للعبادة أهدافها لاتخذت لي مغارة في جبال الآلب و هي في هذه الحالة مكانها الطبيعي، واعتكفت فيها و تكون العبادة بذلك قد إستوفت حقها . إذ طلب العبادة لذاتها لا يمكّن العابد من معرفة ضعف طاقاته  طالما أدى تهاليله وتسابيحه ، بل حتى إنتفاءه تلك التسابيح و التهاليل أو حضورها لا حظ له في الكشف و الإطلاع على المؤهلات و القدرات ولا سيما أنه لا يمكن التحقق من ثمارها، أوضعفها من قوتها إلا  بعد تفويت العباد على منهج العلامة القرضاوي في الدنيا لغير “العباد”  ـ أي في الدار الآخرة ـ. و نسي صاحبنا ان “الدنيا مطية الآخرة”.  فمن كان فيها أعمى كان في الآخرة أعمى.

لو صح فهم الكاتب أن العبادة  غاية في حد ذاتها لما صلى العابد الإستخارة لتقضى الحوائج ، والإستسقاء لتنزل عليه السماء مدرارا و الجنازة  لطلب المغفرة للميت… بل تكون هذه الصلوات و غيرها ملهاة في حد ذاتها. 

لعل هذا ما جعله يسرد كما من الأدلة الناطقة بأن العبادة وسيلة بنية إستدلاله على أن ” العبادة مطلوبة لذاتها “ص

.117

ويختم الكاتب هذا  الباب بقوله ” وخلاصة الخلاصة : أن المؤمن لا يعبد الله ليكون بذلك فاضلا ، ولكنه يكون فاضلا ليعبد بذلك الله “.

غريب أمر العلامة القرضاوي ! وكيف يكون المؤمن فاضلا إذن ؟ بالولادة كما هو قائم في معتقدات أخرى !

فإذا كانت ” العبادة ” ـ في الإسلام ـ تشمل الدين كله ، وتسع الحياة  بمختلف جوانبها ” ص95 وهي في نفس الوقت  عمل غير واع حيث أنها ” عظمة للمعبود لا يعرف منشأها ” ص30 فهذا يعني أن التيه هو السمة التي ستكون  عليها الحياة بمختلف جوانبها في ظل عبادة كهذه .

 أما قول الكاتب ” وأساس الخضوع لله تعالى هو الشعور الواعي بوحدانية تعالى ” فلن يزيد في حالة التيه هذه إلا عمقا ، حيث أن وحدانيته تعالى هي من عظمة المعبود التي قال فيها الكاتب  أنها ” لا يعرف منشأها ” أي أنها خارجة عن مساحة الإدراك والوعي.

كنت أقرأ ما كتبه الكاتب في باب ” لا يعبد إلا الله ” ص 131 وعادت بي الذاكرة إلى ما سبق التطرق إليه في فهم الشيخ كاتب الكتاب للهوية الدينية على ضوء دعوته لمقاومة الملحدين باتحاده هو مع البابا … ضدهم وهذا يعني أصحاب العقيدة السليمة ” المؤمنين ” ضد اللادينيين . وقد يكون الكاتب على حق لوضع معنى العبادة كما عرفها هو بأنها غاية في حد ذاتها، وهكذا طبقها البابا وأتباعه دوما في شكل ترانيم وتهاليل .

يقول الكاتب في السياق ذاته ” منذ أكثر من ألفي  سنة قال المؤرخ اليوناني المشهور بلوتارك بعد فحص واستقراء من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح . لكن لم ير إنسان قط مدينة بلا معبد ، أو لا يمارس أهلها العبادة ” ص 131 هل أراد الكاتب أن يقول بهذا أن هؤلاء الذين سبقوه إلى عبادة “الله” كانوا أصحاب عقائد سليمة وشركاء له في عبادة الله شأنهم شأن البابا ؟ أم أن الكاتب يحس أن “عبادة الله ” في قفص الإتهام ولذلك تجند للدفاع عنها بالإستشهاد بوجود ممارسات وطقوس دينية لمن سبقوه من هؤلاء ” عباد الله” وإن كانت عبادتهم من صنع الخوف والخيال .

فلا عجب إذن أن تنعكس حالة التيه  عند الكاتب على مقلدي ” علماء” الأمة الإسلامية على شاكلة أولئك الطلاب المسلمين الذين إلتحقوا بالمؤسسات التعليمية الكنسية في أمريكا بعد أن أوشكت أن تصبح تلك الكليات خاوية على عروشها حالها حال الكنائس .

كان قد من ” الله” ـ طالما أن هؤلاء هم عباد الله حسب تعريف الكاتب د. القرضاوي ـ على بعض الكنائس  بعد أن أقفل بعض آخر أبوابه بأن جلب لها قساوسة من آسيا ثمرة حركة تنصيرية قديمة وقد شَرع الغرب بسبب هذه الغاية قوانين خاصة ” البطاقة الخضراء “. أما هذه الكليات الكنسية فهي لم  تكن في حاجة لهذا العناء بل العكس هو الذي حصل ، حيث  أن روادها مسلمون ويدفعون المال بدل أن يقبضوا .

 سأل سائل هؤلاء الطلاب المسلمون عن سبب إختيارهم للكليات الكنسية – الكاتولكية بالمناسبة –  فردوا ذلك للقاسم المشترك بين الإسلام والكنيسة في شأن القيم الدينية والروحية !!! وهكذا نجد أحاسيس الشيخ القرضاوي كاتب هذا الكتاب  التي يكنها للبابا و غيره من المؤمنين قد ” تجلت ” في الأتباع .

يستدل الشيخ القرضاوي على الممارسة الدينية للسابقين ممن ذكرهم هو على لسان ” المؤرَخ اليوناني ”   واللاحقين من المسيحيين بأن”ما سجل التاريخ هذه الحقيقة إلا لأن الإتجاه إلى الخالق الأعلى مركوز في الفطرة البشرية ـ أي أن هؤلاء يتعبدون “الله” وفق الفطرة المركوزة فيهم .غير أن الشعور الأصيل كثيرا ما أخطأ الطريق إلى معبوده الحق”  .

مرة أخرى يرمي الكاتب بالقارئ في متاهات التناقض . كان قد قدم هؤلاء كعباد لله . وسبق أن جزم الكاتب أن عبادة الله  “مركوزة” أي فطرية في الإنسان ـ حسب فهمه هو “للفطرة”ـ ، مثلما جزم أن الفطرة لا تكون إلا الإسلام ، وهذا ما يعني أن فطرة هؤلاء كذلك . ليعود عما قاله بقوله أن هؤلاء أضلوا السبيل ، أي أنهم ليسوا عباد الله . فأنى لفطرة تقذف في الإنسان كقذف الروح فيه بإرادة الخالق أن تحيد عن مسارها. و إن كان ذلك كذلك فما الذي دفع الكاتب ليقدم العبادات القديمة كظاهرة تعبدية صحية. ؟!!!

سبق وأن قدم الكاتب طوفانا من الأمثلة على العبادة وقد عرفها بأنها غاية تطلب لذاتها رغم أن أمثلته التي إختارها تعبر بصريح العبارة على أن العبادة وسيلة لتحقيق غايات عددها الكاتب بداية من صفحة 95 . ها هو يكرر الأمر نفسه بدءا من الصفحة 203 . فبعد أن أقر الكاتب هنا أن “الله غني عن عباده كل الغنى ، وإذا تعبدهم بشيء فإنما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم ، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية ،الفردية والإجتماعية، الدنيوية والأخروية “يستمر في تقديم أمثلة عن أسرار العبادة التي حددها بأنها غاية في حد ذاتها تناقض فهمه هو للعبادة . (أنظر ص 214 ألخ).

والآن إذا صدقنا قول الدكتور العلامة القرضاوي في ما قاله ـ ربما عن غير قصد منه بل صدفة ـ  وهو بلا شك عين الصواب في أن عباد الله يعبدونه ـ وهو الغني عن عبادتهم ـ” بما يصلح أنفسهم ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية  والمادية ، الفردية والإجتماعية  ، الدنيوية والأخروية ” فهلا حق القول الآن أن ضياع وانحطاط الأمة وتخلفها إفراز طبيعي للفهم الهدام لمعنى العبادة ، وقد كانت د وما المكون الأوحد للوعي الفردي والجماعي في المجتمع المسلم .وهل أن “العلماء” في هذه الحالة هم مصلحون منقذون أم مجرمون مخربون ، وهل أن مكانهم المنصات والمنابر أم التعجيل ” بمحاكمتهم” في الدنيا والله يتولى أمرهم  في الآخرة ، وهم الذين أعموا بصائر الأمة  وإن لم يتعمدوا ذلك لكنهم تعمدوا التعامي على النظر في نتائج وانعكاس ما يصنعون.

إن الوعي بالنسبة للإنسان هو بمثابة الطاقة للآلات . فكلما كانت الطاقة  فعالة تجلى ذلك في وظائف الآلة أو السيارة …

لكن أنى لهؤلاء ” العلماء ” أن ينتجوا وعيا فعالا وهم المسؤولون عن تجميده وتخريبه  . واستحال مع ذلك قطف ثمار العبادة في الدنيا قبل الآخرة بعد أن جعلوها شجرة زقوم ،وشوكة ترهب ولا تثمر .

فليسمحوا لي هؤلاء ” العلماء الأجلاء ” باقتراحي الجنوني هذا ،إن قلت لهم أنكم أولى الناس بالتعجيل بالتوبة عما إقترفتموه ، والطريق إليها لا يكمن في مضاعفة ما أنتجتموه  من نفايات ، بل المظهر الوحيد والأوحد للتوبة هو أن تكونوا في طليعة حركة تحررية من الإستبداد السياسي الذي فرخه تراكم “علومكم” فشلّت حركة العقل لتتعطل حركة الأيدي.

فالأزمة هي أزمة تعبد وعبودية في آن ، ومجال هذه الحركة التحررية ليس الخيال بل الطريق العام .فالعبودية السياسية هي الأخرى إفراز لتراكمات عبر التاريخ لتعريفات العبادة والدين حسب نزوة ” العالم ” الديني . وأختم كلامي بمثال عن تلازم الجهل والجبن في إنتاج حالة التخلف والإنحطاط .

أذكر كيف أن د. القرضاوي كاتب هذا  الكتاب ” العبادة في الإسلام ”  كان يوما في حوار في أحد القنوات العربية التي خصته بسلسلة حوارات تحت عنوان ” عبقرية أمتنا ” أو شيء من هذا القبيل، والمعني بهذا التخصيص هو الدكتور القرضاوي . كان قد تطرق في الحصة التي قدر علي مشاهدتها” لنضالاته من أجل الحق”. تحدث يومها كيف لوحق من قبل من إستبدوا سياسيا في بلاده . بعد أن تحدث عن دوره في الحركة الإسلامية وقتها، وقد  بدا هامشيا، ذكر أنه رغم ذلك تم إعتقاله . … وبأهمية الأعمال والأفعال تكسب الحكايات التشويق والأهمية .

كل ما بقي عالقا بخلدي من تلك الحلقة التي كنت أتابعها في فترة الراحة من الكتابة قبل الفجر بقليل هو ما قصه العلامة القرضاوي عن نفسه ذلك حين طلب منهم السجان أن يلقي أحدهم موعظة فتقدم الشيخ القرضاوي” لذكاء فيه ” حيث كانت موعظته إعلان توبة أمام الحارس عما إقترفه في جنب الله. وقال بدأت الموعظة بالآية الكريمة : “ربنا إننا ظلمنا أنفسنا” … وبرر ذلك بقوله ” أقدمت على ذلك حتى يعف عنهم الحارس من الإزعاج . ” فات الشيخ الدكتور العلامة تبعات سلوكه الغريب هذا على الحقيقة بصفة عامة وعلى السجان بصفة خاصة الذي سيستمر ينظر إلى مسلك الشيخ وأتباعه كمسلك مضلل وظلاّم للأنفس . فإذا كانت شجاعة العلامة القرضاوي أنتجت موقفا كهذا أمام حارس بسيط  فكيف سيكون حالها أمام من هو أشد من الحارس  بطشا و جاها ؟وكيف سيكون حال تلاميذ الشيخ بعده؟

فالإستبداد لم يفرخوه هؤلاء أشخاص التمثيل الديني ” علماء ” نظريا عبر إنتاج فكري ديني مضلل وزارع للوهن والتخلف بل كذلك ممارستيا .ولذلك وجب على كل من إشرأبت أعناقهم للإصلاح والتحرر بأي وسيلة كانت أن يبدؤوا بمحاصرة هؤلاء ويتخلصوا منهم ومن خداعهم ـ ما لم ينصرف هؤلاء إلى الشوارع وإخراج أنفسهم و أتباعهم من جحورهم للعمل الميداني   ـ لا أن يرجى بهم الخلاص .وإلا سيستمرون ينشدون الدواء  بما هو الداء . 

 نأمل أن لا يكون هم الكاتب على ضوء ما نشرناه هنا هو العمل على إخراج نفسه من أزمة ما كتب حتى تستمر صورته “براقة”، بل إنقاذ العبادة من أزمة ما كتب

Facebook Comments
FacebookTwitterGmailLinkedIn